الفصْلُ الثالِثُ
حُكْمُ قِيَامِ المرأَةِ بالعَمَلِيَّاتِ الاستِشْهَادِيَّةِ
ظَهَرتْ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ مَجْمُوعَةُ عَمَلِيَّاتٍ استِشهَادِيَّةِ قُمْنَ بِهَا نِسَاء مُسلِمَاتٌ، عِندَما رأيْنَ كَثِيرًا مِن المسلمينَ تَقَاعسُوا وتَخَاذَلوا عَن القِيَامِ بالحَقِّ الوَاجِبِ، فقمْنَ بها رَغبَةً مِنهنَّ في نَيْلِ الشَّهَادِةِ ونَصْرِ الأُمَّةِ، وتَحرِيضِ المُتَقَاعِسينَ مِن المسلمينَ.
وكانَتْ أوَّلُ امرأةٍ مُسلِمةٍ قَامَتْ بِعَمَليَّةٍ استِشهَادِيَّةِ هِيَ الأُخْتُ الشِّيشَانِيَّةُ: (حَوَّاءُ برايِيف) حَيثُ قَامَتْ بِهَا دَاخِلَ مبْنى للقُوَّاتِ الرُّوسِيَّةِ، وقَتلتْ أكثَرَ مِنْ سَبعَةٍ وعِشرِينَ جُنْدِّيًَّا رُوسِيًَّا، وفي فِلَسطِينَ كَانَتْ (وَفَاءُ إدرِيس) أولَّ امرَأةٍ تَقُومُ بِهَا، حَيثُ فَجَّرَتْ نَفْسَهَا في مُجمَّعٍ تِجَارِيٍّ لليَهُودِ قَتَلتْ وأصَابَتْ الكَثِيرَ مِنهُم.
ثمَّ تَتَابَعَتْ بَعدَ ذَلِكَ عَمَلِيَّاتُ أُخَرُ فيهِمَا وفي غَيرِهَما مِنْ البِلادِ [1] .
وحَتَّى يُقرَّرَ الحُكْمُ الشَّرعيُّ لهَذِهِ المسألَةِ يُتطلَّبُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعرِفَةُ حُكمِ قِيَامِ المرأَةِ بالجِهَادِ والخُرُوجِ إليهِ، فأقُولُ:
تَقدَّمَ: أنَّ الذُّكوُرَةَ شَرْطٌ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ الجِهَادِ في حَالَةِ الطَّلَبِ والابتِدَاءِ، فَلا يَجِبُ الجِهَادُ عَلَى المرأةِ إجمَاعًَا.
قال ابنُ حَزَمٍ - رحمه الله:"وَاتَّفَقُوا أَنْ لَا جِهَادَ فَرضًَا عَلَى امْرَأَةٍ" [2] .
أمَّا خُرُوجُ النِّسَاءِ للجِهَادِ فالأكثَرُ عَلَى جَوَازِهِ، وإنما يَكونُ خروجُهم للسِّقَايَةِ وصُنعِْ الطعامِ ومُدَاوَاةِ الجَرْحَى ونَقْلِ القَتْلَى لا لِمُبَاشرةِ القتالِ - كَمَا سَتَدُلُّ عَليهِ الأحَادِيثِ -.
-وممَّا يَدَلُّ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ المَرأَةِ إلى الجِهَادِ:
1 -ما جاءَ في الصَّحِيحِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ" [3] .
(1) هل انتحرت حواء أم استشهدت؟ (2) ، الأعمال الفدائية (221 - 222) .
(2) مراتب الإجماع (1/ 119) .
(3) صحيح البخاري (2661 - 4750) .