فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 109

الفصْلُ الثاني

صُوَرُ العَملِيَّاتِ الاستِشهَاديَّةِ وأحكَامُهَا

النَّوعُ الأوَّلُ

العَملِيَّاتُ الاستِشهَاديَّةُ التي تُعرِّضُ المجاهِدَ للقَتلِ بيَدِ عَدُوِّهِ.

الصُّورَةُ الأولى: الاقتِحَامُ الغَالِبُ على الظَّنِّ الهَلاكُ فِيهِ (الانغِمَاسُ) .

وصُورَةُ (الانغِمَاسُ) هي: أن يَحْمِلَ المجاهِدُ سِلاحَهُ، ثمَّ يَقتَحِمَ صُفُوفَ العَدوِّ أو مَواقِعَ تَجَمُّعِهِ؛ طالِبًا الشَّهادةَ، وقاصِدًا النِّكَايَةَ فيه.

حُكْمُهُ: عَامَّةُ أهْلِ العِلمِ عَلَى جَوازِهَ [1] ، ما دَامَ أنَّ المُجَاهِدَ قد أخْلَصَ النِّيَّةَ للهِ، وقَصَدَ جَلْبَ المصْلَحَةِ للمُسلِمينَ بالنِّكَايَةَ في العَدوِّ والتَّجْرِئةِ عَليهِ.

قالَ النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز التَّغْرِير بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَاد فِي الْمُبَارَزَة وَنَحْوِهَا" [2] .

وقالَ ابنُ تيمِيةَ - رحمه الله:"جَوَّزَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبِعَةُ أَنْ يَنْغَمِسَ الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ، إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ" [3] .

وقالَ ابنُ حَجَرٍ - رحمه الله:"وقَدْ أجمَعُوا عَلَى جَوَازِ تَقَحُّمِ المَهَالِكِ في الجِهَادِ" [4] .

وأجَازَهَا بعضُهُم بِشَرطِ قَصَدِ طَلَبِ الشَّهَادَةِ وحدَهُ، دُونَ قَصْد جَلْبِ المصْلَحَةِ بالنِّكَايَةِ في العَدوِّ؛ لأنَّ طَلَبَ الشَّهَادَةِ وحدَهُ أمْرٌ مَشرُوعٌ، ومَا اشتَرَطَهُ الجُمهورُ مِنْ قَصْدِ جَلْبِ المصْلَحَةِ، وأنَّ العَمَل الفَاقِدَ لِهَذا الشَّرطِ ممنُوعٌ؛ لا تَستَقِيمُ لَهُ دَلالَةُ الأدِلَّة التي استدلُّوا بِهَا، وإنَّما أخَذُوهُ مِنْ القَواعِدِ العَامَّةِ للجِهَاد، والعَامُّ لا يَقضِي على الخَاصِّ [5] .

قُلتُ: وهوَ قَوْلٌ لا يَبعُدُ استِحْسَانُهُ، لاسِيَّمَا وأنَّ ما اشتَرَطَهُ الجُمهورُ لمْ تَأتِ بِهِ النُّصُوصُ ولا دَلَّتْ عليه.

(1) المبسوط (10/ 129) ، شرح السير الكبير (1/ 171) و (4/ 224) ، شرح خليل، الخرشي (9/ 499) ، تفسير القرطبي (2/ 364) ، الأم (4/ 169) ،

فتح الباري (8/ 185 - 186) ، مجموع الفتاوى، ابن تيمية (25/ 279) .

(2) شرح صحيح مسلم (12/ 187) .

(3) مجموع الفتاوى (28/ 540) .

(4) فتح الباري (12/ 316) .

(5) أحكام القرآن، ابن العربي (1/ 224) ، تفسير القرطبي (2/ 363) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت