الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ
قَتْلُ المجاهِدِ نفْسَهُ خَشيَةَ الأسْرِ أو التَّعْذِيبِ أو إفشَاءِ سرِّ المسلمينَ
ما يفتأ أعدَاءُ اللهِ مِن النَّيْلِ مِن المسلِمينَ والفَتْكِ بِهِم، فإذا ما ظَفِروا بِهِم أذَاقُوهُم ألوَانًَا مِن التَّعذِيبِ والتَّنكِيلِ، مِصدَاقًَا لِقَولِهِ تعالى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً [1] .
لِذَا بَادَرَ كَثِيرٌ مِنْ المُجَاهِدينَ بالسُّؤالِ عن حُكْمِ قَتْلِ النَّفْسِ خَوفًا مِن الأسْرِ أو التَّعذِيبِ أو إفشَاءِ سِرِّ المسلمِين.
ويَنقَسِمُ الحَدِيثُ عَن حُكْمِ هذِهِ الصُّورِةِ إلى قِسمَيْنِ:
أ- حُكْمِ قَتْلِ النَّفْسِ خَشيَةَ الأسْرِ أو التَّعْذِيبِ:
ولا يَخلُو صَاحِبُهَا مِنْ حَالينِ:
1 -أنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الصَّبْرُ والصُّمودُ؛ فَفِي هَذِهِ الحَالَةِ لا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ نفْسِهِ إجْمَاعًا [2] ، لعَدَمِ الحَاجَةِ إليه.
2 -أنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الصَّبرِ والصُّمودِ، ويَعلَمَ أنَّ أعدَاءَهُ سَيَتفنَّنُونَ في تَعذِيبِهِ ثمَّ َيَقتُلُونَهُ؛ فيَظهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ المَصْلَحَةَ الرَّاجِحَةِ، ويُخَيَّر بينَ أنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقتَلَ - وهو أولى - [3] ، أو يُؤسَرَ فيَصبِرَ.
ب- حُكْمِ قَتْلِ النَّفْسِ خَشيَةَ إفشَاءِ سرِّ المسلمين:
ولا يَخلُو صَاحِبُهَا أيضًا مِنْ حَالينِ:
1 -أنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الصَّبْرُ والصُّمودُ حتى يُقتَلَ؛ فَهَذا لا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ بِحَالٍ.
2 -أنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الصَّبرِ والصُّمودِ، وأنَّ الأعداءَ سَيَتفنَّنُونَ في تَعذِيبِهِ وسَينتَزِعونَ الاعتِرَافَاتِ مِنهُ لا مَحَالةَ، فلا يَخلُو السِّرُّ الذي مَعَهُ مِن حَالَيْنِ:
أ- أنْ يَكونَ غَيرَ خَطِيرٍ، بِحَيثُ لا يَضُرُّ بالمسلِمِينَ ولا يُؤدِّيِ إلى مَفْسَدَةٍ إذا عَلِمَهُ الكُفَّارُ؛ فَلا يَجُوزُ لَهُ كَذلِكَ قَتْلُ نَفْسِهِ، بَلْ يَصْبِر ويَصمُدَ، فإنْ لم يَستَطِع؛ جَازَ لَهُ إفْشَاءُ السِّرِّ.
ب- أنْ يَكونَ خَطِيرًا، وسيَضُرُّ بالمسلِمِينَ ضَرَرا بَالِغًَا إنْ عَلِمَهُ الكُفَّارُ، فَفِيهِ قَوْلانِ:
(1) التوبة (8) .
(2) مراتب الإجماع (157) ، شرح السير الكبير (4/ 221) .
(3) المغني (9/ 255) .