المبحث الثاني
أحكَامٌ وقَواعِدُ عَامَّةٌ ومُهِمَّةٌ في قِتالِ الكفَّارِ
قبلَ الشُّروعِ في تفصيلِ صُورِ العملِيَّاتِ الاستشهادية وذكرِ أحكامِها، يُستَحسَنُ البَدءُ بمقدِّمةٍ في بعضِ أحكامِ وقَوَاعِدِ القِتَالِ في الإسلامِ، لها تعلُّقٌ بموضوعِ بحثِنا في بعضِ الصُّوَرِ والموَاضِعِِ، فدونَكَ هيَ:
أولًا: حُكْمُ قَتْلِ نِسائهِم وصِّبيَانِهِم وشُّيُوخِهِم ورُّهْبَانِهِم [1] :
أ- حكمُ قَتْلِ النِّسَاءِ والصِّبيَانِ:
لا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في حُرمةِ قتْلِ نساءِ وصِبْيانِ المشركينَ ما لم يُقَاتِلوا أو يختلطوا بالمُقاتِلةِ [2] ، ويَدلُّ عَلى حُرمَةِ قتلِهِم:
1 -حَدِيثُ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّه قَالَ:"وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ" [3] .
قال النووي:"أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْعَمَل بِهَذَا الْحَدِيث، وَتَحْرِيم قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا" [4] .
2 -حديث رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَىْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: (( انْظُرْ عَلاَمَ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ ) )فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: (( مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ) )قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: (( قُلْ لِخَالِدٍ لاَ يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلاَ عَسِيفًا ) ) [5] .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ - رحمه الله:"فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا قَاتَلَتْ قُتِلَتْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّة فِي تَحْرِيم قَتْلهَا لِأَنَّهَا لَا تُقَاتِل، فَإِذَا قَاتَلَتْ دَلَّ عَلَى جَوَاز قَتْلهَا" [6] .
3 -حديثُ أنسِ بن مالكٍ وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: (( وَلاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلًا وَلاَ صَغِيرًا وَلاَ امْرَأَةً ) ) [7] .
(1) أما الذكور البالغون القادرون فلا خلافَ بين أهلِ العلمِ في قتلهم.
قالَ ابنُ رشدٍ - رحمه الله:"لا خلافَ بينَ المسلمينَ أنَّه يجوزُ في الحرْبِ قَتْلُ المشركينَ الذُّكْرَانِ البالغينَ المقاتلينَ". بداية المجتهد (1/ 383) .
(2) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم الأندلسي (1/ 119) ، وبداية المجتهد لابن رشد القرطبي (1/ 383) .
(3) البخاري (3015) واللفظ له، مسلم (4645/ 4646) .
(4) شرح صحيح مسلم (12/ 48) .
(5) عسيفًا: أجيرا - وزنًا ومعنى - لكن على غير قتال. عون المعبود، العظيم آبادي (7/ 330) .
والحديث أخرجه أحمد في مسنده (16088) ، وأبو دواد (2671) ، والنسائي (8625) ، وابن ماجه (2842) ، وابن حبان في صحيحه (4791) ، والحاكم (2565) ،
وقال:"على شرط الشيخين ولم يخرجاه"ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى (18570) والصغرى (2834) ، وقال:"لا بأس بإسناده".
(6) معالم السنن، الخطابي (2/ 280) .
(7) سنن أبي داود (2616) ، مصنف ابن أبي شيبة (33790) ، والبيهقي في السنن الكبرى (18617) والصغرى (2836) .