أمَّا الآياتُ القرآنيةُ والأحاديثُ النبويَّةُ الدَّالةُ على الجهادِ، الدَّاعِيةُ إليه، المُرغِبةُ فيه، الذَّاكرةُ لفضلِه وثوابِه، فما أكثَرَها ولا تنحَصِرُ [1] ، ولمّا كان الجِهادُ من فضائلِ الأعمالِ وأجلِّها كان أهلُهُ كذلك، فبالجِهَادِ تظهرُ حَقِيقةُ المحبةِ للهِ وصِدقُ العُبودِيَّةِ لَهُ ومَدى الاستِجَابَةِ لَهُ.
قالُ ابنُ تيميةَ - رحمه الله:"وَالْأَمْرُ بِالْجِهَادِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلَ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ" [2] .
وقالَ:"وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ" [3] .
قالَ ابنُ القَيِّمِ - رحمه الله:"وأمَّا الجِهَادُ فنَاهِيكَ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ هيَ سَنامُ العِبَادَاتِ وذِروتِها، وهو المحكُّ والدَّلِيلُ المُفَرِّقُ بينَ المُحِبِّ والمُدَّعِي، فالمحبُّ قد بَذَلَ مُهجَتَهُ ومَالَهُ لِربِّهِ وإلهِهِ، مُتَقرِّبًا إليه بِبَذلِ أعزِّ ما بِحضرَتِهِ، يَودُّ لو أنَّ لَهُ بِكُلِّ شَعرةٍ نفسًا يَبذِلُها في حُبِّهِ ومَرضَاتِهِ، ويَودُّ أنْ لو قُتِلَ فيه ثمَّ أحي ثمَّ قُتِلَ ثمَّ أحي، فهو يَفدِي بنَفْسِهِ حبيَبهَ وعبدَهُ ورسُولَهُ، ولِسانُ حالِهِ يَقولُ:"
يَفديكَ بِالنَفسِ صَبٌّ لَو يَكونُ لَهُ ... أَعَزُّ مِن نَفسِهِ شَيءٌ فَداكَ بِهِ
فهو قَدْ سَلَّم نفْسَهُ ومَالَهُ لمُشتَرِيهَا وعَلِمَ أنَّه لا سَبِيلَ إلى أخذِ السِّلعَةِ إلا بِبَذِلِ ثَمنِهَا (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (" [4] ."
وقالَ - رحمه الله:"لمّا كَانَ الْجِهَادُ ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَقُبّتَهُ وَمَنَازِلُ أَهْلِهِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنّةِ كَمَا لَهُمْ الرّفْعَةُ فِي الدّنْيَا فَهُمْ الْأَعْلَوْنَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْوَاعِهِ كُلّهَا فَجَاهَدَ فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ وَالْجِنَانِ وَالدّعْوَةِ وَالْبَيَانِ وَالسّيْفِ وَالسّنَانِ وَكَانَتْ سَاعَاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْجِهَادِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ. وَلِهَذَا كَانَ أَرْفَعَ الْعَالَمِينَ ذِكْرًا وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَ اللّهِ قَدْرًا" [5] .
وعليه فسأذكرُ مِن فَضَائلِ الجِهَادِ مَعَ ما صحَّ من أدِلَّتِهَا ما تيسَّرَ منها، وأكتَفِي بِذِكِرِ النَّصِّ وَحدَه غالِبًا:
(1) * من تحريضٍ وإعدادٍ وغُدُوٍّ ورَوَاحٍ ونفقةٍ ورِباطٍ وجِراحةٍ وشهادةٍ.
)) انظر: مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ابن النَّحَّاس (134) .
(2) السياسة الشرعية (86) .
(3) المصدر السابق (87) .
(4) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة (2/ 7 - 8) .
(5) زاد المعاد (420) .