المطلَبُ الرَّابِعُ
حُكْمُ تَبْييتِ العَدُوِّ
-و (تَبْييتِ العَدُوِّ) : الإغَارَةِ عَليهِم في الليلِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنهم بحيثُ لا يُمَيَّزُ بينَ أفرادِهِم [1] .
-حُكمُهُ: جمهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِه، وجوازِ ما يتبعُهُ من قَتلِ نِسَائهِم وصِبيَانِهِم في ذَلِكَ البَيَاتِ [2] ، عَلَى أنْ لا يُقصَدَ قَتلُ النِّسَاءِ والصِّبيَانِ.
قَالَ الإمِامُ أَحْمَدُ - رحمه الله:"لَا بَاسَ بِالْبَيَاتِ، وَهَلْ غَزْوُ الرُّومِ إلَّا الْبَيَاتُ؟!".
وقَالَ:"وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ بَيَاتَ الْعَدُوِّ" [3] .
وممَّا يَدلُّ عَلَى جَوَازِهِ:
1 -حديثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم - أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم َسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ، يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: (( هُمْ مِنْهُمْ ) )، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (( لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ) ) [4]
ومَعنَى قَولِهِ:"فَيُصَابُ"أي: يُقتَلُ النِّسَاءُ والصِّبيَانُ مِن غَيرِ قَصْدٍ لقَتلِهِم.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ - رحمه الله:"وفي هَذَا الحَدِيثِ إبَاحَةُ البَيَاتِ" [5] .
قالَ القَاضِي عِيَاضُ - رحمه الله:"أكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى الأخْذِ بهذا الحَدِيثِ، وأنَّه غَيرُ مُعَارِضٌ للنَّهي عَن قَتلِ النِّسَاءِ والصِّبيَانِ والأطفَالِ لما تَقدَّمَ مِن العِلَّةِ قَبْلُ، وأنَّهما أصْلان يُستعمَلانِ، ذَلِكَ عَلَى الانفِرادِ، وهَذا عَلَى الاختِلاطِ" [6] .
2 -مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسلِمٌ في صَحِيحَيٍهِمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ [7] وَهُمْ غَارُّونَ [8] وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ [9] .
قال النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْإِغَارَة عَلَى الْكُفَّار الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِنْذَار بِالْإِغَارَةِ" [10] .
3 -عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ"أَمِتْ أَمِتْ"، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِى تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [11] .
-وتَرَكَ العَمَلَ بهذِهِ الأحَادِيثِ مَالكٌ والأوزَاعِيُّ، واحتجُّوا بِعُمُومِ نهيهِ صلى الله عليه وسلم عَن قَتلِ النِّسَاءِ والصِّبيَانِ، وبِعُمُومِ قولِهِ تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [12] .
وأُجِيبَ: بأنَّهَم عَمِلُوا بِنُصُوصِ النَّهي عَن قَتلِ النِّسَاءِ والوِلدَانِ، وتَركُوا العَمَلَ بهذِهِ النُّصُوصِ، وليسَ العَملُ بإحدَاهما أولى مِن الآخَرِ، مَعَ أنَّ الجَمْعَ بينَها مُمْكِنٌ.
وجُمِعَ بينَهَا: بأنَّ نهيَهُ صلى الله عليه وسلم عَن قَتلِ النِّسَاءِ والوِلدَانِ إنَّمَا هُوَ في حَالِ عَدَمِ تَميُّزِهِم، أي: أنَّ المقصُودَ بالنَّهي قَصْدُ قَتْلِهِم [13] ، فهم يُقتَلونَ في البَيَاتِ مِنْ غيرِ قَصدٍ لقَتْلِهِم، بلْ القَصْدُ قُتْلُ المُقَاتِلَةِ، وقَتْلُهُم إنَّما يَجِيء تَبَعًا لا قَصْدًَا، وأحَادِيثُ النَّهي إنَّمَا هيَ في قَصْدُ قَتْلِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ إذَا عُرِفَ مَكَانُهُمْ [14] ، لا في حَالِ قَتْلِهِم تَبَعًا لِغَيرِهِم، كَمَا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَأمُرُ بالغَارَةِ عَلَى العَدوِّ في آثار مُتَواتِرَةِ، ولمْ يَمنَعهُ مِن ذَلِكَ مَا يُحِيطُ بِهِ عِلمًا أنَّه لا يُؤمَنُ مِنْ تَلَفِ النِّسَاءِ والوِلْدَانِ في ذَلِكَ [15] ، فتَبيَّنَ أنَّه لا تَعَارُضَ بينَ النُّصُوصِ.
وكذلِكَ لا تَعَارُضَ بينَهَا وبينَ حَديثِ أنَسٍ - رضي الله عنه - لأنَّ هَذِهِ الأحَادِيثَ إنَّما هيَ في حَقِّ مَن بَلَغَتُهُ الدَّعوَةُ، وحَدِيثُ أَنَسٍ في حَقِّ مَنْ لمْ تَبلُغْهُ [16] .
قال الشَّافِعِيُّ - رحمه الله:"أَمَّا ما اُحْتُجَّ بِهِ من قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِمْ الْأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ وَالرُّهْبَانُ وَمَنْ نهى عن قَتْلِهِ فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَغَارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارَيْنِ في نَعَمِهِمْ وَسُئِلَ عن أَهْلِ الدَّارِ يَبِيتُونَ فَيُصَابُ من نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فقال هُمْ منهم يعنى صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الدَّارَ مُبَاحَةٌ لِأَنَّهَا دَارُ شِرْكٍ وَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحٌ وَإِنَّمَا .. تُمْنَعُ الدَّارُ من الْغَارَةِ إذَا كانت دَارَ إسْلَامٍ أو دَارَ أَمَانٍ فلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُغِيرَ عليها" [17] .
(1) انظر: فتح الباري، ابن حجر (6/ 147) ، وسبل السلام، الصنعاني (7 - 8/ 214) .
(2) شرح صحيح مسلم، النووي (6/ 189) .
(3) المغني (13/ 140) .
(4) صحيح البخاري (3012) واللفظ له، صحيح مسلم (4647/ 4648) .
(5) شرح صحيح البخاري (5/ 119) .
(6) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، عياض اليحصبي (6/ 24) .
(7) هي بطنٌ شهيرٌ من خزاعة. سبل السلام، الصنعاني (7 - 8/ 206) .
(8) أي: غافلون. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/ 361) ، وشرح صحيح مسلم للنووي (12/ 36) .
(9) صحيح البخاري (2541) ، صحيح مسلم (4616) .
(10) شرح صحيح مسلم، النووي (12/ 36) .
(11) سنن أبي داود (2640) ، صحيح ابن حبان (4747) ، السنن الكبرى للبيهقي (18561) . وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (7/ 390) برقم (2371) .
(12) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال (5/ 168) ، والآية (25) من سورة الفتح.
(13) انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، عياض اليحصبي (6/ 24) ، وشرح صحيح مسلم، النووي (6/ 189) .
(14) انظر: الأم، الشافعي (7/ 350) .
(15) شرح صحيح البخاري، ابن بطال (5/ 169) .
(16) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال (5/ 119 - 120) .
(17) الأم (7/ 350) .