أ - الجِهَادُ الكِفَائيُّ (جِهَادُ الطَّلبِ والابتِدَاءِ) .
-وهو مُبَادَرةُ الكُفَّارِ بالقِتَالِ بَعدَ دَعوَتِهِم إلى الإسلامِ وامتِنَاعِهِم، نَشرًا للدِّينِ وإعلاءً لِكَلِمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ.
(1) قَبْلَ الشُّرُوعِ في بِيَانِ حُكمِ الجِهَادِ رأيتُ البَدءَ بمقدِّمةٍ أُصُوليَّةٍ لا مَنْدُوحَةَ عنها، فأقولُ:
-... مَعلُومٌ أنَّ الأحكَامَ الشَّرعِيَّةَ التَّكلِيفِيَّةَ خَمسَةٌ: الإيجَابُ والنَدْبُ والإبَاحَةُ والكَرَاهَةُ والحَظرُ، وإنَّما يُهمُّنا مِنهَا"الإيجَابُ"، فسأقتَصِرُ عليه.
فالإيجَابُ أو الوَاجِبُ هُوَ:"ما طَلَبَ الشَّارِعُ من المُكلَّفِ فِعلَهُ على وَجْهِ الحتْمِ والإلزَامِ"أو"ما يُذَمُّ تَارِكُهُ ويُلامُ شَرْعًَا بِوجْهٍ مَا".
-... وهل"الواجِبُ"و"الفَرضُ"مُترادفِانِ أو مُتبايِنَانِ؟
1 -الجُمهورُ: هما مُترادِفَانِ.
2 -الحَنَفِيَّةُ ورِوَايةٌ عن الإمَامِ أحمدَ: هما مُتبايِنَانِ، فالفَرضُ: ما ثَبَتَ بدَليلٍ قَطعِيٍّ لا شُبهَةَ فيه، كالصَّلاةِ والحَجِّ، والوَاجِبُ هو: ما ثَبَتَ بَدلِيلٍ ظنِّيٍّ فيه شُبهَةٌ، كالوِترِ وزَكَاةِ الفِطرِ.
فيكونُ الفَرضُ عِندَهم أعلى رُتبةً من الوَاجِبِ.
ومَنشأ الخِلافِ بينَهم وبينَ الجمهُورِ: أنَّهم نَظَروا إلى الدَّليلِ مِن حَيثُ قَطعِيَّتُهُ الثبوتِ وظنيَّته، فلأجْلِ ذا فرَّقوا بينَهُما.
أمَّا الجمهورُ فنَظَروا إليه مِن حيثُ حقِيقتُهُ، بغضِّ النَّظَر عن طُرُقِهِ، فلمْ يُفَرِّقوا بينَ ما ثَبَتَ بدَليلٍ قطعيٍّ أو ظنِّيٍّ، بجَامِعِ أنَّ كُلًا مِنهُمَا يَلزَمُ المكلَّفَ فِعلُهُ، ويَستَوجِبُ الذمَّ والعِقَابَ إنْ تَرَكَهُ، وهذا قدرٌ كَافٍ في عَدمِ التَّفرِقةِ بينَهما، أمَّا"اختِلافُ طُرُقِ الوَاجِبَاتِ في الظُّهُورِ والخَفَاءِ والقُوَّةِ والضَّعفِ .. فلا يُوجِبُ اختِلاف الواجِبِ في حَقِيقَتِهِ من حَيثُ هو واجِبٌ".
وقولُ الجمهورِ هو الأظهرُ والأوْلَى، مَعَ كونِ الخِلافِ بينِهمَا لَفظِيًَّا.
-... يَنقَسِمُ"الوَاجِبُ"أو"الفَرضُ"باعتِبَارِ المُلزَمِ بفِعْلِهِ إلى قِسمَينِ:
1 -الوَاجِبُ الكِفائيُّ: وهُوَ ما طَلَبَ الشَّارعُ حُصُولَهُ من مَجْمُوعِ المُكَلَّفينَ دونَ النَّظَرِ إلى فاعِلِهِ، كالأمْرِ بالمعرُوفِ والنَّهي عن المُنْكَرِ والصَّلاةِ على الميت وردُّ السَّلامِ، فالشَّارِعُ ناظِرٌ فيه إلى الفِعلِ نفسِهِ.
وحُكْمُهُ: يَجِبُ عَلَى الكُلِّ، حتَّى إِذا فَعَلَهُ أو قَامَ بِهِ مَنْ يَكفِي سَقَطَ الإثْمُ والحَرَجُ عَن البَاقِينَ، فإذا تَركُوهُ أثِمُوا جَمِيعًا.
2 -الواجِبُ العَيْنِيُّ: وهُوَ مَا طلَبَ الشَّارِعُ فعْلَهُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ بعَيْنِهِ، كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ، فالشَّارِعُ ناظِرٌ فيه إلى ذَاتِ الفَاعِلِ.
وحُكْمُهُ: فَرضٌ وواجِبٌ على كُلِّ مُكلَّفٍ بعينِهِ، ولا يَسقُطُ عَنهُ بِفِعلِ بِعضِ المُكلَّفِينَ لتَعلُّقِها بذاتِ المُكلَّفينَ.
تَعيُّنُ الوَاجِبِ الكِفَائيِّ
وقد يَنتَقِلُ الوَاجِبُ الكِفَائيُّ إلى وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ، وذَلِكَ إذا انحَصَرَ أدَاؤهُ في شَخصٍ أو فِئةٍ بِعَينِهَا، كالمُفتِينَ - مَثلًا - فإنَّه إذا فَشَا الجَهْلُ بأحْكامِ الشَّرعِ بينَ النَّاسِ، ولمْ يَكُنْ مِنْ المُفتِينَ إلَّا فِئةٌ قلِيلَةٌ، َتَعيَّنُ في حَقِّهَا سَدُّ حَاجَةِ النَّاسِ مِنْ بَيَانِ الحَقِّ لَهم في مَسَائلِهِم وقَضَايَاهُم؛ لانحِصَارِ إمكَانِ أدَائهِ بِهِم.
انظر: أصول السرخسي (1/ 111) وما بعدها، الإحكام للآمدي (1/ 140) ، المستصفى للغزالي (1/ 128) ، العدة لأبي يعلى (1/ 162) و (2/ 376) ، التبصرة للشيرازي (1/ 94) ، شرح مختصر الطوفي (1/ 265) ، إرشاد الفحول، الشوكاني (1/ 87) ، مذكرة أصول الفقه، محمد الأمين الشنقيطي (13) ، أصول الفقه، وهبة الزحيلي (1/ 46) ، أصول الفقه، عياض نامي السلمي (37) ، بحوث في علم أصول الفقه، أحمد الكردي (173) .