فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 109

الصُّورَةُ الثانِيَةُ

تَعرِيضُ النَّفسِ للقَتلِ قَصْدَ تَحصِيلِِ مَصلَحَةٍ للمُسلِمينَ أو دَفعِ مَفسَدَةٍ عَنهُم

-وهذِهِ الصُورَةُ لا تَكادُ تَنحَصِرُ؛ لأنَّهَا عَامَّةٌ، وقَدْ تَدخُلُ فيها جَمِيعُ صُوَرِ العَمَلِيَّاتِ الاستِشهَادِيَّةِ - عَدَا صُورَةِ قَتْلِ المجاهِدِ نفْسَهُ من غيرِ قَصْدٍ مِنهُ -، إنْ قَصَدَ المُجَاهِدُ بِذَلِكَ جَلْبَ المَصْلَحَةِ لإخوَانِهِ أو دَفْعَ المَفسَدَةِ عَنهُم.

ومِنْ أمثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ:

1 -حِمَايَةُ المُجَاهِدِ إخوَانَهُ بنفْسِهِ، بِمُبَادَرَتِهِ العَدوَّ بالقِتَالِ دِفَاعًَا عَنهُم، أو مَنْعِهِ وُصُولَ سِهَامِهِم ونِيرَانِهِم إليهِم.

2 -فَتْحُهُ بِجَسَدِهِ طَرِيقًَا لَهُم في حَقْلِ ألغَامٍ.

-حُكْمُهَا: مَشْروعَةٌ عِندَ جُمهُورِ العُلَمَاءِ، وصَاحِبُها شَهِيدٌ - بإذنِ الله - لِمَا سيأتي مِن الأدِلَّةِ.

قال ابنُ العَرَبيِّ - رحمه الله:"وَمَنْ وَقَى مُسْلِمًا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ" [1] .

-ومِمَّا يَدلُّ عَلَى مَشروعِيَّتِهَا:

1 -قولُهُ تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2] .

وجهُ الاستِدلالِ: أنَّ اللهَ امتَدَحَ المؤمنينَ المؤثِرينَ إخوَانَهُم عَلَى أنفُسِهِم، ومِن الإيثَارِ: الإيثَارُ بالنَّفْسِ، وهوَ فوقَ الإيثَارِ بالمالِ [3] .

2 -ما رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: (( لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ) )، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْىٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ" [4] .

وجهُ الاستِدلالِ: ظَاهِرٌ في خُرُوجِهِ صلى الله عليه وسلم مِن غَيرِ كَامِلِ عُدَّتِهِ، إيثَارًا بالمُؤمِنِينَ عَلَى نفسِهِ وحِمَايَةً وفِدَاءً لَهُم، مَعَ كونِهِ أفضلَ الخَلْقِ صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليه.

3 -ومُسلِمٌ في صَحِيحِهِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِى سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: (( مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِى فِى الْجَنَّةِ ) )، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ: (( مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِى فِى الْجَنَّةِ ) )، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَاحِبَيْهِ: (( مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا ) ) [5] .

3 -وفيهِمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقُولُ: (( انْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ ) )، قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لاَ تُشْرِفْ، يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ" [6] .

4 -وفي البُخَارِيِّ عَن قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ شَلَّتْ [7] .

5 -مَبِيتُ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ هِجرَتِهِ، بعدَمَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا، يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا، رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ [8] .

6 -أنَّ عُكَّاشَةَ الغَنَمِيِّ وَقَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَومَ أُحُدٍ حتَّى ذَهَبَتْ أنْفُهُ وشَفَتَاهُ وحَاجِبَاهُ وأُذُنَاهُ [9] .

(1) أحكام القرآن (4/ 115) .

(2) الحشر (9) .

(3) أحكام القرآن (4/ 115) .

(5) صحيح مسلم (4742) .

(6) البخاري (3811 - 4064) ، مسلم (4786) .

(8) رواه أحمد في مسنده (3251) ، وعبد الرزاق في مصنفه (9743) ، والطبراني في الكبير (11987) .

وقال ابن كثير:"إسناده حسن". البداية والنهاية (3/ 221) ، فتح الباري (7/ 236) ، وإن كان أكثر المتأخرين على تضعيفه.

(9) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر (4/ 535) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت