4 -أنَّ هذه العملِيَّاتِ نَوْعٌ من الجِهادِ، والجِهادُ عِبَادَةٌ، والعبادَةُ توقِيفِيَّةٌ، لا تجوزُ ولا تُشرَعُ إلا بنصٍّ، وهذا أمْرٌ مُجمَعٌ عليه، فالذي يُبِيحُ مِثلَ هذه العملِيَّاتِ دون نَصٍّ صَرِيحٍ، هذا قائلٌ على اللهِ بغَيرِ علمٍ [1] .
ونُوقِش: بأنَّ الجِهَادَ وإنْ كان عبادةً في ذاتِهِ، إلا أنَّه لا يَعنِي عَدَمَ الاجتِهَادِ في نوازِلهِ ووسائلِهِ وفُروعِهِ، وإلا لزِمَنا التوقَّفُ في استِخدَامِ الوَسَائلِ والطُّرُقِ والأدَوَاتِ القِتَالِيَّةِ الحَدِيثةِ، بحُجَّةِ أنَّهُ لا نصَّ صَرِيحَ فيها، ولا قَائلَ بِهَذَا.
ثمَّ إنَّ المطالبةَ بالنُّصوصِ الصَّريحةِ في كلِّ مسألةٍ من مسائلِ الدِّينِ تَحكُّمٌ لا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، بَل إنَّ الفُقَهَاءَ ذَكروا كَثِيرًا مِن المَسَائلِ المَبنيَّةِ عَلَى الإجمَاعِ والقِيَاسِ وغيرِها مِن الأدِلَّةِ.
5 -أنَّ الفُقَهَاءَ المُتَقدِّمِينَ لمْ يَتعَرَّضُوا في كُتُبِهِم - ولو فَرَضًَا - لِمَسألَةِ مُبَاشَرَةِ قَتْلِ النَّفْسِ بِقَصْدِ النِّكَايَةِ في العَدوِّ كوَسِيلَةٍ لتَحقِيقِ الشَّهَادَةِ، مِمَّا يَدلُّ عَلَى أنَّها وَسِيلةٌ غَيرُ مَشرُوعَةٍ.
ونُوقِشَ: بأنَّ تَركَ الفُقَهَاءِ ذِكْرَ مَسألةٍ بِعَينِهَا لا يَعنِي عَدَمَ مَشرُوعِيَّتَهَا، فَهَذَا تَقوُّلٌ عَليهِم.
وأمَّا عَدَمُ ذِكْرِهِم لمسألةِ مُبَاشَرَةِ قَتْلِ النَّفْسِ بِقَصْدِ النِّكَايَةِ في العَدوِّ؛ فلأنَّهُ لمْ يَكُن في عَصرِهِم وَسَائلُ تُحقِّقُ النِّكَايَةَ في العَدوِّ مِن خِلالِ مُبَاشَرَةِ قَتْلِ النَّفْسِ فلِذا لمْ يَتَعرَّضُوا لِذَلِكَ، وإنما كانَ التَّسبُّبُ في قَتْلِ النَّفْسِ مِن وَسَائلِ تَحقِيقَ النِّكَايَةِ في العَدوِّ، فاقتَصَرتْ أقوَالُهُم عَلَى ذِكْرِهِ [2] .
يَظهَرُ بِجَلاءٍ قُوَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ وتَوجُّهِ ما استَدلُّوا بِهِ؛ ولأنَّ بَابَ الجِهَادِ لِمَا لَهُ مِن مَصَالِحَ عَظيمَةٍ، اُغتُفِرَتْ فيه مَسَائلُ كَثِيرةٌ لمْ تُغتَفَر في غَيرِهِ، مِثْلُ: الإخْلالِ بِبَعضِ وَاجِبَاتِ الصَّلاةِ حَالَ الخَوفِ، والكَذِبِ والخِدَاعِ، وتَعرِيضِ النَّفْسِ للقَتْلِ، وقَتْلِ مَنْ لا يَجُوزُ قتْلُهُ، وهَذَا هوَ الأصْلُ في مَسَائلِ الجِهَادِ، ولِذَا أُدخِلَتْ مَسألَةُ العَمَلِيَّةِ الاستشهَادِيَّةِ مِن هَذَا البَابِ [3] .
أمَّا أدِلَّةُ أصحَابِ القَوْلِ الثَّانِي؛ فإنَّها لا تَرقَى إلى مُعَارَضَةِ أدِلَّةِ القَولِ الأول، فاستِدلالاتُهُم إمَّا غَيرُ صَحِيحَةٍ أو في غَيرِ مَحَلِّهَا، أو عَائدةٌ إلى أُمُورٍ خَارِجَةٍ عنها كالمَصلَحَةِ والمَفسَدَةِ وعَدَمِ وجُودِ الإمَامِ؛ - واللهُ أعلَمُ -.
(1) الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية، جمع محمد الحصين (178) .
(2) العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي (80 - 81) .
(3) فتوى الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي http://www.al-oglaa.com .