قال الطَّحَاوِيُّ - رحمه الله:"فَلَمَّا لَمَّا يَنْهَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغَارَةِ , وَقَدْ كَانُوا يُصِيبُونَ فِيهَا الْوِلْدَانَ وَالنِّسَاءَ الَّذِينَ يَحْرُمُ الْقَصْدُ إِلَى قَتْلِهِمْ , دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَبَاحَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ لِمَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ حُظِرَ مَا حُظِرَ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ , وَأَنَّ مَا حُظِرَ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ , هُوَ الْقَصْدُ إِلَى قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ , وَالَّذِي أَبَاحَ هُوَ الْقَصْدُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ , وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَلَفُ غَيْرِهِمْ , مِمَّنْ لَا يَحِلُّ الْقَصْدُ إِلَى تَلَفِهِ , حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا تَتَضَادُّ , وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَارَةِ عَلَى الْعَدُوِّ , وَأَغَارَ عَلَى الْآخَرِينَ فِي آثَارٍ عِدَّةٍ , قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي: بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ , وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُنَا , أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ تَلَفِ الْوِلْدَانِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُمْ , لِأَنَّ قَصْدَهُمْ كَانَ إِلَى غَيْرِ تَلَفِهِمْ" [1] .
فقولُ الجُمهُورِ ظاهرُ القُوَّةِ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ، ولأنَّ احتِجَاجَ أصحَابِ القَولِ الثَّانِي بِعُمُومِ أدِلَّةِ النَّهي عَن قَتلِ النِّسَاءِ والصِّبيَانِ؛ يُفضِي إلى تَركِ الجِهَادِ في كَثِيرٍ مِن المَواضِعِ بِحُجَّة قتلهم، وإنْ كانَ في قتلِهِم مفسَدَةٌ إلَّا أنَّ في تَركِ الجِهَادِ مَفسَدةً تَربُو عَلَى مَفسَدَةِ قَتلِهِم؛ واللهُ أعلمُ.
وهوَ لُغَةً: التَّسَتُّرُ بالتُّرْسِ، وهو: سِلاحٌ معْروفٌ يُتَوقَّى بِهِ، ويُقالُ: التَّتَرُّسُ و التَّتْرِيسُ [2] ،"وكُلُّ شَيءٍ تَتَرَّسْتَ بِهِ فهو مِتْرَسَةٌ لك" [3] .
(1) شرح معاني الآثار، الطحاوي (3/ 222) .
(2) انظر: الصحاح (126) ، والقاموس المحيط (153) .
(3) لسان العرب (6/ 32) .