فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 109

العَدَاءُ بينَ البَشَرِ قدِيمٌ جِدَّا، حتى إنَّ النَّاظِرَ في تَأرِيخِ البَشَرِيَّةِ لا يَكَادُ يَجِدُ أمَّةً من الأُمَمِ خْلَتْ فيما بيَنَهَا أو مَعَ غيرِها من الأُمَمِ من العَدَاءَ أو القِتَالِ، باختِلافِ أسْبَابِهِ ودَوَاعِيهِ وكذاكَ طُرُقِهِ ووَسَائلِهِ، ولعلَّ أسبَابَهُ تَتَلخَّصُ في [1] :

1 -الطَّمَعِ وحُبِّ الاستِكثَارِ وإظهَارِ القُوَّةِ والغَلَبَةِ والتَسَلُّطِ.

2 -الحَاجِيَّاتِ والضَّرورِيَّاتِ المَعَاشِيَّةِ.

3 -الثَّأرِ والانتِقَامِ.

4 -الدِّفَاعِ عَن الأنْفُسِ والأعْرَاضِ والأموالِ والمَبَادِئ.

5 -إغَاثَةِ المَلهُوفِ ونَجْدَةِ المَظْلُومِ.

ويُلاحَظُ أنَّ منهَا ما هو محمودٌ ومنها ما هو مَذمُومٌ، وهُو الأكثرُ، فجَاءَ الإسْلامُ ليُبطِلَ ويُلغِيَ كُلَّ قِتَالٍ رَخِيصٍ وحَقِيرٍ لا يَستَحِقُّ بَذْلَ الدَّمِ، فحَصَرَ القِتَالِ في هَدَفٍ سَامٍ عَالٍ وهو: أنْ يَكونَ الدِّينُ كلُّهُ للهِ، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [2] .

أمَّا طُرُقُ القِتَالِ ووسَائلُهُ فقدْ كانَ معنى الفِدَاءِ والتَّضحِيَةِ فيها موجودًا مُذْ وُجِدَتْ الحُروبُ، إذ هما مِن مُقتضيَاتِ الصِّرَاعِ والمقَاوَمةِ، فالمقاتِلُ فردًا كان أو جَمَاعَةً يُدرِكُ أنه لا بدَّ من وجودِ نَوعٍ مِن التَّضحِيَةِ وإقحَامِ النَّفْسِ في المَهَالِكِ حتى يَتحقَّقَ لَهُ النَّصرُ عَلَى عَدُوِّهِ [3] .

ولم تَزُلْ تتطوَّر طُرُقُ القِتَالِ ووسَائلُهُ حتى حَدَثتْ النَّقْلَةُ الكُبْرى في العَصْرِ الحَدِيثِ، وظَهَرتْ الأسلِحَةِ النَّارِيَّةِ الفَتَّاكةِ والمُتُفَجِّراتِ، فظَهَرَ هذا النَّوعُ مِن العَمَلِيَّاتِ، وقدْ سُبِقَ المسلمون إلى استِعَمالِها [4] :

-فكان أوَّلُ مَا عُرِفَتْ في الحَربِ الأهلِيَّةِ الأمَرِيكِيَّةِ (1861 - 1865 م) ، حيثُ كان يَقُومُ بِهَا انفصالِيو الجَنُوبِ الذين عانَوا مِن القَهْرِ والظُّلْمِ ضدَّ الشماليينَ.

-وكَذَا شَهِدَتْ الحَربُ العَالَمِيَّةُ الثَّانِيَةُ (1939 - 1945 م) ، تَطوَّرًا نَوعِيَّا لِهَذِهِ العَمَلِيَّاتِ، ومِنْ ذلك: ما قَامَ بِهِ طَيَّارُونَ يَابَانِيُّونَ حيثُ انقضُّوا بطيَّاراتهم عَلَى أسطُولٍ أمَرِيكيٍّ، في عَمَلِيَّةٍ فَرِيدَةٍ مِن نَوعِهَا، مُخلِّفِينَ عَشَرَاتِ القَتْلى

(1) انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد هيكل (1/ 15) .

(2) البقرة (193) الأنفال (39) .

(3) الأعمال الفدائية صورها وأحكامها الفقهية (96) .

(4) المصدر السابق (97) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت