الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِى أَشْبَاهِهِ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (إِلَى آخِرِ الآيَةِ [1] .
7 -ما رواه البِيهِقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَوْا إِلَى حَائِطٍ قَدْ أُغْلِقَ بَابُهُ فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَلَسَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى تُرْسٍ، فَقَالَ:"ارْفَعُونِي بِرِمَاحِكُمْ فَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ"، فَرَفَعُوهُ بِرِمَاحِهِمْ فَأَلْقُوهُ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِطِ فَأَدْرَكُوهُ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةً [2] .
وجهُ الاستِدلالِ: فِعْلُ البَراءِ - رضي الله عنه - حيثُ دلَّ عَلَى جَوَازِ حَمْلِ الرَّجُلِ عَلَى العَدوِّ، وإنْ كانَ يَغلِبُ عَلَى ظنِّهِ أنَّه يُقتَلَ.
وفِعْلهُ وَقَعَ بإقرَارُ مِن الصَّحَابَةِ، فإنَّه لمْ يُنقَل عَنهم أنَّهُم أنكروا عليه، فَدلَّ عَلَى مَشرُوعِيَّتِهِ.
8 -حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلاَتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلاَئِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاَتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ ) ) [3] .
قال ابنُ تيميةَ - رحمه الله:"هذا يدلُّ عَلَى أنَّ مِثلَ هذا العَمَلِ محبوبٌ للهِ مَرْضيٌّ، لا يُكتَفَى فيه بِمُجرَّدِ الإباحَةِ والجَوَازِ، حتى يقالَ: وإن جاز مُقاتَلة الرجل حيث يَغْلب على ظَنِّه أنه يُقْتَل فَتَرْكُ ذلك أفضل، بَل الحَدِيثُ يَدلُّ عَلَى أنَّ ما فَعَلَه هذا يُحِبُّه اللهُ ويَرضَاهُ، ومَعلُومٌ أنَّ مِثلَ هذا الفِعلِ يُقْتَلُ فيه الرَّجُلُ كثِيرًا أو غَالِبًا" [4] .
-فتلخَّصَ مما سَبَقَ:
جَوَازُ ومَشْرُوعِيَّةُ الانغِمَاسِ في العَدوِّ بِشرطَيِنِ:
1 -إخْلاصُ النِّيَّةِ للهِ، وذَلِكَ بأنْ يَكونَ قَصْدُهُ إعلاءَ كَلِمَةِ اللهِ ونُصْرَةَ دِينِهِ والقِيَامَ بِوَاجِبِ الجَهَاد والرَّغْبَةَ في الشَّهَادَةِ.
(1) صحيح البخاري (2805) ، صحيح مسلم (5027) .
(2) السنن الكبرى، البيهقي (18379) .
(3) رواه أحمد (3949) ، وابن حبان (2557 - 2558) ، والحاكم (2531) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى (18994) .
قال ابن النحاس:"ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس". مشارع الأشواق (532) .
(4) قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح؟ (44) .