فهِيَ ورَقَاتٌ كَتبْتُهَا عَلَى عُجَالَةٍ مِن أمْرِي، وفي ضِيقٍ مِن وَقْتي، ومَعَ ذا فلَمْ آلُ جُهْدًَا في تَرتِيبِها وتَنقِيحِهَا واختِصَارِهَا، عَلَّهَا تُنِيرُ الطَّرِيقَ لِمُرِيدِ الحَقِّ وتَدُّلُهُ عَليهِ، مَعَ الاعتِرَافِ بالقُصُورِ وقِلَّةِ البِضَاعَةِ، ولولا الاضِّطرارُ وطَلَبُ المشايخُ والإخوانُ ما كُنْتُ لأكتُبَ، ولكنَّ اللهَ حَسْبِي:
وَمَنْ يَاتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ ... فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا
مَعَ التَّنبِيهِ إلى ضَرورَةِ الرُّجُوعِ إلى العُلَمَاءِ الصَّادِقِينَ العَامِلِينَ المُجَاهِدِينَ وإلى كُتُبِهِم وأقوَالِهِم، فلا غِنَى لِطَالِبِ الحَقِّ عنها وعَنهُم، وخَاصَّةً في مِثلِ هَذِهِ المَسَائلِ والنَّوَازِلِ، فإنَّهم قَد عَايَنُوا مَا لمْ يُعَاينُهُ غَيرُهُم، ورأوا مَا لمْ يَرَهُ غَيرُهُم [1] .
قَالَ ابنُ تَيمِيةَ - رحمه الله:"وَلِهَذَا كَانَ الْجِهَادُ مُوجِبًا لِلْهِدَايَةِ الَّتِي هِيَ مُحِيطَةٌ بِأَبْوَابِ الْعِلْمِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (فَجَعَلَ لِمَنْ جَاهَدَ فِيهِ هِدَايَةَ جَمِيعِ سُبُلِهِ تَعَالَى؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَاذَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرُ فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (" [2] .
وقد فَرغتُ مِنها أواخرَ شَهرِ ذِي الحِجَّةِ العَامَ المُنصَرِمَ، فعَرضَ لي مَا يُشغِلُنِي عَن مُراجَعَتِهَا وإعدَادِهَا للنَّشِرِ، حتى يَسَّرَ اللهُ ذلك، فلَهُ الحمدُ وحدَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، واسألُهُ سُبحَانَهُ أنْ يَجعَلَهُ خَالِصًَا لِوَجهِهِ، وأنْ يَنفَعَ بِهِ.
وأنْ يَهدِيَنا إلى الحَقِّ ويُثَبِتَنا عليه، وأن يُجَنِّبَنا الخَطأ والزَّلَلَ، وأنْ يَزِيدَنا عِلمًَا وفِقْهًَا.
"اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [3] .
وهذا أوانُ الشروعِ في المقصودِ - وبالله التوفيقُ:
(1) وفي أثناء إعداد البحث للنشر أتاني خبر مقتل الأميرين أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر وتبع ذلك خبر مقتل القائد أبي مصطفى اليزيد - فرحمهم الله جميعًا - وبمقتل قادتنا يظهر ويتجلى
صدق دعوتنا، ويعزينا قول الله (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (.
(2) مجموع الفتاوى (28/ 442) .
(3) صحيح مسلم (1847) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح به صلاته إذا قام من الليل.