إلى هنا والمسألة واضحة، لا تعدوا التنظير الفقهي لقضية ولاية الأمر، وهي - من جهة الفتوى - بمثابة القاعدة التفصيلية التي ينطلق منها المجتهد في تعاطيه مع واقع ولاة الأمور، ليفتي فيهم طبقًا لتحقيق مناطات تلك القاعدة.
فإذا ما جئنا إلى واقعنا المعاصر؛ لزم اعتبار علة أخرى تضيف إلى مسألتنا بعدًا إضافيًا، وهي علة تكيف فقهًا - من جهة الأصل - منفردة مستقلة بنفسها، أعني أنها مستقلة في التنظير عن موضوع ولاية الأمر، وإن كانت تعد أشنع جرمًا إذا اقترفت من ولي الأمر - ملكًا أو رئيسًا أو سلطانًا أو أميرًا أو غيره - ... إنها علة خيانة ولي الأمر لدينه وأمته، وتواطئه مع أعدائها ضدها، ومظاهرته لهؤلاء الأعداء على أهل دينه وملته.
ومجددًا أوجه رسالة سبق أن وجهتها بهذا الصدد، لعلها تبلغ من لم تبلغه، أو تطرق مسامع من يبلغها، ورب مبلغ أوعى من سامع ...
رسالة مفتوحة:
إلى علمائنا ودعاتنا وطلاب العلم ...
وإلى كل من أوتي قدرة على التنظير والبحث الشرعيين ...
إذا خان الحاكم - كفر أو لم يكفر [1] - بل إذا ثبتت خيانته، ووضحت عمالته، لأعداء أهل دينه وملته، حيث مكن للكافرين من بلاد المسلمين، وحكمهم في الدماء والفروج والمعاملات وغيرها - من خلال قوانينهم - وأطلق أيديهم في عقيدتها وثقافتها ومناهجها، وحتى في أنماط حياتها، وفتح أمامهم مجالاتها الجوية، ومياهها الإقليمية، وحدودها البرية، وموانئها ومطاراتها، وسمح لهم باتخاذ بلادنا قواعد لقتال بعض الأمة، بل وأعانهم على ذلك سرًا أو علنًا، بوجه من وجوه الإعانة ... فضلًا عن المشاركة معهم بجند أو عتاد أو سلاح ...
فما التكييف الشرعي لمثل هذه الحالة؟
وما حكم المتلبس بها من والٍ أو نظام أو جند؟
وهل يصح الدفع بعذر الإكراه في مثل هذه الحالة؟
(1) وذلك تجنبًا لأن يُشغب علينا بمسألة"تكفير المعين"وهي لا موضع لها ها هنا.