9 -إذَا وَقَعَ حَرِيقٌ فِي سَفِينَةٍ , وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ ظَلَّ فِيهَا احْتَرَقَ , وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ غَرِقَ. فَالْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهمَا شَاءَ. فَإِذَا رَمَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ وَمَاتَ جَازَ , وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا مُحَرَّمًا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ. وَقَالَ الصَّاحِبَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ وَالصَّبْرُ , لِأَنَّهُ إذَا رَمَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ كَانَ مَوْتُهُ بِفِعْلِهِ , وَإِنْ أَقَامَ فَمَوْتُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ , إذَا كَانَ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَوْعُ خِفَّةٍ مَعَ التَّأَكُّدِ مِنْ الْقَتْلِ فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ , قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: لَتُلْقِيَن نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَبَلِ , أَوْ لَأَقْتُلَنك , وَكَانَ الْإِلْقَاءُ بِحَيْثُ لَا يَنْجُو مِنْهُ , وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ خِفَّةٍ , فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ , لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِي زَعْمِهِ , وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَصْبِرُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ , لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ سَعْيٌ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ. أَمَّا إذَا ظَنَّ السَّلَامَةَ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ سَبَبٍ إلَى سَبَبٍ آخَرَ لِلْمَوْتِ , أَوْ رَجَا طُولَ الْحَيَاةِ وَلَوْ مَعَ مَوْتٍ أَشَدَّ وَأَصْعَبَ مِنْ الْمَوْتِ الْمُعَجَّلِ , قَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِهِ , لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ , وَعَبَّرَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى , مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
10 -وَمِنْ أَمْثِلَةِ الِانْتِقَالِ مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ مُمَيِّزًا هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ , فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ , لِمُبَاشَرَتِهِ إهْلَاكَ نَفْسِهِ عَمْدًا , كَمَا لَوْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فَقَتَلَهَا. فَكَأَنَّهُ يُشْبِهُ الِانْتِحَارَ عِنْدَهُمْ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ. أَمَّا لَوْ وَقَعَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ جَاهِلًا بِهِ , لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ مَثَلًا أَوْ تَغْطِيَةِ بِئْرٍ , أَوْ أَلْجَأَهُ إلَى السَّبُعِ بِمَضِيقٍ ضَمِنَ مَنْ تَبِعَهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إهْلَاكَ نَفْسِهِ وَقَدْ أَلْجَأَهُ التَّابِعُ إلَى الْهَرَبِ الْمُفْضِي لِلْهَلَاكِ. وَكَذَا لَوْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إذَا طَلَبَ إنْسَانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ فَهَرَبَ مِنْهُ , فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ ضَمِنَهُ , سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الشَّاهِقِ , أَمْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَمْ خَرَّ فِي بِئْرٍ , أَمْ لَقِيَهُ سَبْعٌ , أَمْ غَرِقَ فِي مَاءٍ , أَمْ احْتَرَقَ بِنَارٍ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَطْلُوبُ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا , أَعْمَى أَمْ بَصِيرًا , عَاقِلًا أَمْ مَجْنُونًا. وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: مَنْ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ , وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ , فَتَمَادَى بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْهُ , فَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِدُونِ الْقَسَامَةِ إذَا كَانَ الْمَوْتُ بِدُونِ السُّقُوطِ , وَإِذَا سَقَطَ وَمَاتَ فَعَلَيْهِ