عُمَرُ , فَإِنَّ الْقَلْبَ حَزِينٌ , وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ , وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ. وَلَكِنْ مَعَ هَذَا ; الصَّبْرُ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
18 -بَابُ حَمْلِ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ [1]
105 -وَذَكَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه بِرَاسِ يَنَاقَ الْبِطْرِيقِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسٍ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَاسٌ , إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: لَقَدْ بَغَيْتُمْ. أَيْ تَجَاوَزْتُمْ الْحَدَّ. وَفِي رِوَايَةٍ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: لَا تَبْعَثُوا إلَيَّ بِرَاسٍ , وَلَكِنْ يَكْفِينِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.
فَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ , وَقَالَ: لَا يَحِلُّ حَمْلُ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ لِأَنَّهَا جِيفَةٌ. فَالسَّبِيلُ دَفْنُهَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى , وَلِأَنَّ إبَانَةَ الرَّاسِ مُثْلَةٌ , {وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ} . وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ , وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا رحمهم الله عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ فَرَاغُ قَلْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قُوَّادِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عُظَمَاءِ الْمُبَارِزِينَ فَلَا بَاسَ بِذَلِكَ. أَلَا تَرَى {أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه حَمَلَ رَاسَ أَبِي جَهْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَقَالَ: هَذَا رَاسُ عَدُوِّك أَبِي جَهْلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. وَكَانَ شَرُّهُ (37 آ) عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ} . وَمَا مَنَعَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
106 -وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ رحمه الله قَالَ: {لَمْ يُحْمَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَاسٌ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ} . وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَأَنْكَرَهُ. وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ ابْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه. {وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلَى سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَاسِهِ فَصَعِدْت إلَى جَبَلٍ فَاخْتَبَات فِيهِ. حَتَّى إذَا رَجَعَ الطَّلَبُ وُجِّهْت بِرَاسِهِ حَتَّى جِئْت بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم} . {وَحِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ رضي الله عنه بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ , جَاءَ بِرَاسِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ} , فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ لَا بَاسَ بِذَلِكَ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
40 -بَابُ الشَّهِيدِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِ [2]
(1) - شرح كتاب السير الكبير - (ج 1 / ص 37) وشرح السير الكبير - (ج 1 / ص 120)
(2) - شرح كتاب السير الكبير - (ج 1 / ص 75) وشرح السير الكبير - (ج 1 / ص 238) و السير الكبير - (ج 1 / ص 230)