فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا , وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ. رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ , وَقَالَ: هُوَ صَالِحُ الْإِسْنَادِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْوَلِيِّ. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ مِنْ لِبَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَامَّةِ لِبَاسِ النَّاسِ , مِنْ الْجُلُودِ وَالْفِرَاءِ وَالْحَدِيدِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ فَرْوٌ , وَلَا خُفٌّ , وَلَا جِلْدٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُنْزَعُ عَنْهُ فَرْوٌ وَلَا خُفٌّ وَلَا مَحْشُوٌّ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ.} وَهَذَا عَامٌّ فِي الْكُلِّ , وَمَا رَوَيْنَاهُ أَخَصُّ , فَكَانَ أَوْلَى.
(1632) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: (وَإِنْ حُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ غُسِّلَ , وَصُلِّيَ عَلَيْهِ)
مَعْنَى قَوْلِهِ:"رَمَقٌ"أَيْ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. فَهَذَا يُغَسَّلُ , وَيُصَلَّى عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {غَسَّلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ , وَصَلَّى عَلَيْهِ , وَكَانَ شَهِيدًا , رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِسَهْمٍ , فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ , فَحُمِلَ إلَى الْمَسْجِدِ , فَلَبِثَ فِيهِ أَيَّامًا , حَتَّى حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ , ثُمَّ انْفَتَحَ جُرْحُهُ فَمَاتَ.} وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَتَى طَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ حَمْلِهِ غُسِّلَ , وَصُلِّيَ عَلَيْهِ , وَإِنْ مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ , أَوْ عَقِبَ حَمْلِهِ , لَمْ يُغَسَّلْ , وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ , قَالَ: إنْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ , أَوْ بَقِيَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً , غُسِّلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ: إنْ تَكَلَّمَ , أَوْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ , صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَجْرُوحِ إذَا بَقِيَ فِي الْمُعْتَرَكِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ , ثُمَّ مَاتَ , فَرَأَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ مَاتَ حَالَ الْحَرْبِ , لَمْ يُغَسَّلْ , وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَلَا. وَالصَّحِيحُ: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ , أَوْ الْأَكْلِ ; لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ , وَطُولُ الْفَصْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِع. وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالشُّرْبُ , وَحَالَةُ الْحَرْبِ , فَلَا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ يُرْوَى {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا , بِهِ رَمَقٌ , فَقَالَ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: فَأَنَا فِي الْأَمْوَاتِ , فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِّي السَّلَامَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ , قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَبْرَحْ أَنْ مَاتَ.} وَرُوِيَ أَنَّ أُصَيْرِمَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وُجِدَ صَرِيعًا يَوْمَ أُحُدٍ , فَقِيلَ لَهُ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: أَسْلَمْت , ثُمَّ جِئْت. وَهُمَا مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ , دَخَلَا فِي عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ} . وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ , وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ تَكَلَّمَا , وَمَاتَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ. وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ , عَنْ ابْنِ عُمَرَ , أَنَّهُ طَافَ فِي الْقَتْلَى , فَوَجَدَ أَبَا عَقِيلٍ الْأُنَيْفِيَّ قَالَ: فَسَقَيْته مَاءً , وَبِهِ