فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 460

وَالْجَمَاعَةِ , لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي بَلْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا , وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا. وَلَعَلَّ. الْمُرَادُ مَا إذَا تَابَ حَالَةَ الْيَاسِ , كَمَا إذَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَعِيشُ مَعَهُ عَادَةٌ , كَجُرْحٍ مُزْهِقٍ فِي سَاعَتِهِ , وَإِلْقَائِهِ نَفْسَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ فَتَابَ. أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ فَبَقِيَ حَيًّا أَيَّامًا مَثَلًا ثُمَّ تَابَ وَمَاتَ , فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ , وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ , حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ {لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو , وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ , فَمَرِضَ فَجَزِعَ , فَأَخَذَ مَشَاقِصَ , فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ , فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ , وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ , فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِك رَبُّك؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَالِي أَرَاك مُغَطِّيًا يَدَيْك؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْك مَا أَفْسَدْت , فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ} وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا , لَكِنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فَيُسَمِّي فَاسِقًا.

ثَانِيًا: جَزَاءُ الْمُنْتَحِرِ:

26 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمُتْ مَنْ حَاوَلَ الِانْتِحَارَ عُوقِبَ عَلَى مُحَاوِلَتِهِ الِانْتِحَارَ , لِأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ الَّذِي يُعْتَبَرُ مِنْ الْكَبَائِرِ. كَذَلِكَ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الِانْتِحَارُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْحَنَابِلَةِ) لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ , وَلِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ , فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا , وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ , وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ إنَّمَا كَانَ مُوَاسَاةً لِلْجَانِي وَتَخْفِيفًا عَنْهُ , وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَاهُنَا شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَانَةِ وَالْمُوَاسَاةِ , فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُنْتَحِرِ خَطَأً دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ , لِأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ , فَكَانَ عَقْلُهَا (دِيَتُهَا) عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ الْوَرَثَةَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ , لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ , وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا سَقَطَ عَنْهُ مَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ , وَعَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِهِ , وَلَهُ مَا بَقِيَ إنْ. كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ

27 -اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ , فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ - وَهُوَ رَايُ الْحَنَابِلَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ - تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ مِنْ سِوَى الْحَرْبِيِّ مُمَيِّزًا كَانَ أَمْ لَا , بِقَتْلِ كُلِّ آدَمِيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ - وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَذِمِّيٍّ وَجَنِينٍ وَعَبْدٍ وَنَفْسِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. هَكَذَا عَمَّمُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت