34 -إن حماية الدين أعظم ما يقوم به المجاهد لإعلاء كلمة الله، ولقد جاءنا مالا يدع مجالًا للشك بجواز فداء المجاهد لدينه بنفسه، إلا أننا نشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حمي بأنفس الصحابة يوم أحد ولم ينكر ذلك، ولم يدل دليل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذ الفعل، ففي قصة حماية أبي دجانة للرسول بنفسه ليكون ترسًا له من النبل (دليل 21) وقول أبي طلحة للرسول صلى الله عليه وسلم: نحري دون نحرك (دليل 22) ودفاعه عنه حتى شلت يده التي وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (دليل 23) كل هذا يفيد أيضًا جواز فداء الأشخاص بالأنفس إذا كان يحدث من قتلهم ضرر على المسلمين أو الدين.
تبين لنا من أقوال العلماء في مسألة الاقتحام على العدو منفردًا تعليقهم المسألة بغلبة الظن، أي أن من غلب على ظنه أنه يقتل في هذا الاقتحام، أخذ حكم من سيقتل قطعًا، فمن أجاز الاقتحام مع غلبة الظن كمن أجاز الاقتحام مع اليقين الجازم بالقتل.
وأيضًا فإن جمهور العلماء علقوا جواز الاقتحام بشروط
الأولى: الإخلاص،
والثاني وجود النكاية بالعدو،
الثالث: إرهابهم،
الرابع: تقوية قلوب المسلمين.
وأجاز القرطبي وابن قدامة الاقتحام بنية خالصة طلبًا للشهادة فقط لأن طلب الشهادة أمر مشروع، و للمجاهد فيه غرض، وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يشترطوا ما اشترطه الجمهور في جواز الاقتحام، فإن المصير لقول القرطبي وابن قدامة لا يبعد استحسانه، لأننا لو أردنا أن نخرج من الأدلة التي جاءت بجواز هذا الفعل ما يعضد قول الجمهور بأن العمل الفاقد للشروط ممنوع لم تستقم لهم دلالة الأدلة، إلا أنهم أخذوا ذلك من القواعد العامة للجهاد والعام لا يقضي على الخاص، نعم نحن نقول بأن ما لا فائدة فيه لا ينبغي عمله، ولكن القول لمن لم يحقق الشروط المذكورة أن عمله غير صحيح ولا محمود هذا ظلم، لا سيما وأن هذه الشروط لم تأت بنصوص واضحة ولا آثار صحيحة ولا قياس جلي، فأصل الجواز مع فقدها موجود ولكنه خلاف الأولى، فلا ينبغي الإقدام على الشهادة فحسب بلا مقصود آخر يفيد المسلمين والمجاهدين.