الْقِصَاصُ مَعَ الْقَسَامَةِ. أَمَّا إذَا كَانَ بِدُونِ عَدَاوَةٍ فَلَا قِصَاصَ , وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ
11 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هُجُومِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ , مَعَ التَّيَقُّنِ بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ إقْدَامِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ , إنْ كَانَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ , وَكَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَظَنَّ تَاثِيرَهُ فِيهِمْ , وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ , فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا. وَقِيلَ إذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ , وَخَلَصَتْ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِلْ , لِأَنَّ مَقْصُودَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْدَاءِ , وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو , وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ , لَكِنْ سَيَنْكِي نِكَايَةً أَوْ سَيُبْلِي أَوْ يُؤَثِّرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} لِأَنَّ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ - كَمَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ - هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحُهَا وَتَرْكُ الْجِهَادِ. لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ حِكَايَةً عَنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة أَنَّهُ {حَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْمَلِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , فَصَاحَ النَّاسُ , وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ , يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ , فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّاوِيلَ , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ , وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ وَنَقَلَ الرَّازِيُّ رِوَايَةً عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الْجَنَّةَ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْت إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ , فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ} . كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُهُ , لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: طَلَبُ الشَّهَادَةِ. الثَّانِي: وُجُودُ النِّكَايَةِ. الثَّالِثُ: تَجْرِئَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. الرَّابِعُ: ضَعْفُ نُفُوسِ الْأَعْدَاءِ , لِيَرَوْا أَنَّ هَذَا صُنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَا ظَنُّك بِالْجَمِيعِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا حَارَبَ قُتِلَ , وَإِذَا لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَالُ , لَكِنَّهُ إذَا قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ. أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَمَلَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ