قال الشّافعيّة: يحرم غسل الشّهيد والصّلاة عليه لأنّه حيّ بنصّ القرآن، ولما ورد عن جابر: * أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم، ولم يغسّلوا ولم يصلّ عليهم *. وجاء من وجوه متواترة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ عليهم وقال في قتلى أحد: ... * زمّلوهم بدمائهم *.
ولعلّ ترك الغسل والصّلاة على من قتله جماعة المشركين إرادة أن يلقوا اللّه جلّ وعزّ بكلومهم لما جاء فيه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: * أنّ ريح الكلم ريح المسك واللّون لون الدّم * واستغنوا بكرامة اللّه جلّ وعزّ عن الصّلاة لهم مع التّخفيف على من بقي من المسلمين لما يكون فيمن قاتل بالزّحف من المشركين من الجراح وخوف عودة العدوّ ورجاء طلبهم وهمّهم بأهليهم وهمّ أهليهم بهم.
والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشّهادة عليهم والتّعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم.
وورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: * ليس شيء أحبّ إلى اللّه من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية اللّه، وقطرة دم تهراق في سبيل اللّه، أمّا الأثران فأثر في سبيل اللّه، وأثر في فريضة من فرائض اللّه *.
وجمهور الحنابلة يرون حرمة غسله، وهي رواية عن الإمام أحمد، غير أنّ منهم من يرى كراهته، أمّا الصّلاة فلا يصلّى عليه في أصحّ الرّوايتين لديهم. وفي رواية عندهم تجب الصّلاة عليه، ومال إلى هذا بعض علمائهم منهم الخلال، وأبو الخطّاب وأبو بكر بن عبد العزيز في التّنبيه.
5 -ذهب الفقهاء إلى أنّ: من قتله المشركون في القتال، أو وجد ميّتًا في مكان المعركة وبه أثر جراحة أو دم، لا يغسّل لقوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: * زمّلوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسّلوهم *، ولم ينقل خلاف في هذا إلاّ ما روي عن الحسن، وسعيد بن المسيّب. واختلفوا في غير من ذكر، فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى: أنّ كلّ مسلم مات بسبب قتال الكفّار حال قيام القتال لا يغسّل، سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأً، أو عاد إليه سلاحه، أو سقط عن دابّته، أو رمحته دابّة فمات، أو وجد قتيلًا بعد المعركة ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر دم أم لا، ولا فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة، والحرّ والعبد، والبالغ والصّبيّ.
وقال الحنفيّة: يغسّل كلّ مسلم قتل بالحديد ظلمًا وهو طاهر بالغ، ولم يجب عوض ماليّ في قتله، فإن كان جنبًا أو صبيًّا، أو وجب في قتله قصاص، فإنّه يغسّل، وإن وجد قتيلًا في مكان المعركة، فإن ظهر فيه أثر لجراحة، أو دم في موضع غير معتاد كالعين فلا يغسّل.