فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 460

وَتَخْرُجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُنْتَحِرِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ خَطَأً , فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْعَمْدِ , لِسُقُوطِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْخِطَابِ بِمَوْتِهِ , كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ , فَإِنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً وَلَمْ يَامُرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ بِكَفَّارَةٍ. وقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ , بِدَلِيلِ قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ. كَذَلِكَ رَدَّ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} مُخْرِجٌ قَاتِلَ نَفْسِهِ , لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ الْكَفَّارَةِ , وَإِذَا بَطَلَ الْجُزْءُ بَطَلَ الْكُلُّ.

ثَالِثًا: غُسْلُ الْمُنْتَحِرِ:

28 -مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً , كَأَنْ صَوَّبَ سَيْفَهُ إلَى عَدُوِّهِ لِيَضْرِبَهُ بِهِ فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ نَفْسَهُ وَمَاتَ , غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ , كَمَا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَكَذَلِكَ الْمُنْتَحِرُ عَمْدًا , لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ , وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ غُسْلِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَادَّعَى الرَّمْلِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَحَمْلُهُ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا , لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ , سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَاتِلُ نَفْسِهِ وَغَيْرُهُ.

رَابِعًا: الصَّلَاةُ عَلَى الْمُنْتَحِرِ:

29 -يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) أَنَّ الْمُنْتَحِرَ يُصَلَّى عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلِمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} وَلِأَنَّ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ مُتَلَازِمَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , فَكُلُّ مَنْ وَجَبَ غُسْلُهُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ , وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ - وَهُوَ رَايٌ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ - لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ , لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: {أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ} وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد {أَنَّ رَجُلًا انْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ قَالَ: وَمَا يُدْرِيك؟ قَالَ: رَأَيْته يَنْحَرُ نَفْسَهُ , قَالَ: أَنْتَ رَأَيْته؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ. إذَنْ لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ} . وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُنْتَحِرَ لَا تَوْبَةَ لَهُ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا , وَيُصَلِّي عَلَيْهِ سَائِرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت