الْمِسْكِ. وَلِهَذَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ , عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ رضي الله عنه كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ , وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ لِأَنَّهُ كَانَ لَبِسَهُ لِدَفْعِ الْبَاسِ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ دَفْنَ الْقَتْلَى (61 ب) مَعَ الْأَسْلِحَةِ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ , وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا لُبِسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْخُفِّ. هَكَذَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. وَلِأَهْلِهِ أَنْ يَزِيدُوا فِي أَكْفَانِهِ مَا أَحَبُّوا. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ فِي كَفَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ لَازِمٍ. 295 - وَإِنْ صَارَ مُرْتَثًّا فَهُوَ شَهِيدٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ. وَالْمُرْتَثُّ مَنْ يَصِيرُ خَلَقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ , مَاخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ.
296 -فَإِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ حَيًّا فَمَاتَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ أَوْ مَرِضَ فِي خَيْمَتِهِ فَهُوَ مُرْتَثٌّ. لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ. فَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنِ صَفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ. لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنْ مَصْرَعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِيصَالِ الرَّاحَةِ إلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ بِذَلِكَ.
297 -قَالَ: وَذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إلَّا الْخُفَّيْنِ , وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا , وَارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا , فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَنِي. فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ عَنْ الشَّهِيدِ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ , وَأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ شَاهِدًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
298 -وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إنَّا لَاقُونَ غَدًا فَمُسْتَشْهِدُونَ. فَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا , وَلَا تُكَفِّنُونَا فِي ثَوْبٍ إلَّا مَا عَلَيْنَا. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا , وَكَأَنَّهُ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الزِّينَةِ فِي كَفَنِهِ , لَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَحِلُّ.
299 -وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَكَانَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ} . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَاسَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. {فَالْأَنْصَارُ يَوْمَئِذٍ أَصَابَهُمْ قَرْحٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: إنَّ الْحَفْرَ عَلَيْنَا لِكُلِّ إنْسَانٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ: أَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ} .
300 -وَلَكِنْ يَنْبَغِي عِنْدَ الْحَاجَةِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ كَيْ يَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا بَاسَ بِدَفْنِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ , عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ , وَيُقَدَّمُ إلَى جَانِبِ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمَا وَهُوَ الرَّجُلُ. فَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَ أَفْضَلُهُمَا أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ عليه السلام: {قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ} . فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ