لم يأخذ ذلك الحيوان طريقه العادي الذي سلكه بالأمس إما لدهائه وإما لأنه أحس بالصياد الآخر. وبدلا من أن يأتي عن شمال جيوم ارتسم لنفسه طريقًا منحنيًا وأتى عن يمينه بحيث لا يمكن أن يصل إليه سلاح فرانسوا، ولكن على بعد خطوات من غدارة جيوم الذي ظل ساكنًا حتى ليظن أنه لم ير ذلك الحيوان وهو يمر قريبًا منه كأنه يتحداه. ويظهر أن الدب يشعر بعدوه إذ أن الريح كانت متجهة منه إليه ولذا استمر في طريقه نحو الشجرة.
ولم يكد يرتكز على رجليه الخلفيتين وقد حوط بهما الأماميتين ودفع بصدره إلى الأمام استعدادًا للقفز حتى دوى في الوادي صوت هائل وسرى في الفضاء بارق من نار أعقبه أنين جرح مميت.
انقلب الدب راجعا مارًا على بعد خطوات من جيوم دون أن يراه فقد أدخل ذراعيه ورأسه داخل الكيس فاستتر في الصخرة من جديد.
كان هذا المنظر على مرأى من الجار الذي ركع على ركبتيه ويده اليسرى، قايضًا باليمنى على غدارته وقد اصفر لونه وهو يكتم أنفاسه وتمنى في ذلك الوقت لو كان نائمًا في سريره بعيدًا عن هذا الموقف.
كانت مفاجأة سيئة لفرانسوا حين رأى الدب الجريح بعد أن دار دورة طويلة قد أخذ سبيله عن يمينه حتى أسلم نفسه لبارئه، وتحقق من غدارته ليتأكد أنها محشوة. كأن الدب على بعد خمسين خطرة يئن من الألم ويقف ليدور برأسه فيعض على موضع الجرح ثم يتابع السير حتى صار على بعد ثلاثين خطوة.
ولكنه وقف فجأة وتنسم الريح التي تأتي من جهة القرية وزأر زئيرا مرعبا ثم قفز داخل البستان.
-خذ حذرك يا جيوم! احترس!
تفوه بها فرانسوا وهو يتبع الدب وقد نسي كل شيء إلا صديقه لأنه اعتقد تمامًا أنه لن ينجو من الدب إذا لم يكن قد استطاع أن يحشو غدارته من جديد؛ ولكنه لم يكد يخطو خطوة واحدة حتى سمع صرخة ولكنها كانت صرخة آدمية، صرخة رعب، بل صرخة النزع الأخير. ثم تلتها صرخة استجمع فيها صاحبها كل ما بقي فيه من قوة ومن رجاء في الله: