فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 43413 من 53113

-لو استدل أحد بقوله تعالى في سورة النحل {من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غصب من الله ولهم عذاب عظيم} على جواز حل السحر عن المسحور بسحر مثله، على اعتبار أن المسحور مكره أو في حكم المكره المستثنى في الآية وخاصة إذا كان السحر قد يؤول به إلى القتل؟ فالجواب عنه أن هناك فرقًا بينه وبين المكره في الآية من وجوه:

الوجه الأول: ان المكره إذا تكلم بالكفر أو فعل الكفر. على قول من يقول بجواز فعل ما أكره عليه. لم يكن فيه حمل لغيره على الكفر، وأما حل السحر ففيه طرف آخر، وهو الساحر أو الجني، فإن من أتى ساحرًا ليحل عنه السحر فقد حمله على الكفر بالله، ومن حل السحر بنفسه فقد حمل الجني على الشرك بالله، بخلاف إذا نطق بالكفر أو فعله فليس هناك طرف آخر، فافترقا.

الوجه الثاني: ان حل السحر من باب الاستشفاء وقول الكفر أو فعله من باب الدفع عن النفس، وقد جاء الشرع بتحريم التداوي بالمحرمات، وأباح في الدفع عن النفس النطق بالكفر أو فعله، فلا يلحق هذا بهذا! فإن للدفاع عن النفس أحكامه الخاصة، وللتداوي أحكامه الخاصة.

الوجه الثالث: إن الأصل تحريم الكفر قولًا وعملًا ورضى وإقرارًا، فلا يجوز الاستثناء من هذا التحريم إلا بدليل، وقد دل الدليل على جواز النطق بالكفر أو فعله عند الإكراه، ولم يأت الإذن في السحر.

الوجه الرابع: إن كثيرًا من أهل العلم حمل الإكراه في الآية على الإكراه بالقتل، وعليه فذهاب النفس عند عدم إظهار الكفر مقطوع به، وذهابها بالسحر مظنون، فاختلف الحكم للفارق بينهما.

الوجه الخامس: إن السحر فيه تعلق بالمخلوق واعتقاد فيه، والشرع جاء بقطع علائق الإشراك بالله سواء كان الشرك الأكبر أو الأصغر؟ وإتيان السحرة فيه تعلق بهم، وأثر على قلب العبد وتوحيده، وهذا لا ينكره من يعرف حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك والسحر؟ وأما المكره فإنما أبيح له إظهار الكفر بشرط اطمئنان قلبه بالإيمان، فلا تعلق إلا بالله، وما قاله أو فعله فهو منكر له!

الوجه السادس: إن القتل أو ما دونه متحقق عدم وقوعه عند النطق بالكفر بخلاف إتيان الساحر لحل السحر فليس محققًا، فكم من المسحورين ممن ذهب إلى ساحر بل إلى سحرة ليحلوا عنه السحر فلم يقدروا على ذلك، فخسروا الدنيا والآخرة، عياذًا بالله تعالى، وهذا أمر معلوم مشتهر من أحوال الذين ابتلوا بالذهاب إلى هؤلاء السحرة، نسأل الله العافية والسلامة، وهذا فرق معتبر فكيف يلحق هذا بهذا، وكيف يلغى هذا الفارق مع ظهوره ووضوحه؟!

? من أفتى من المعاصرين بجواز ذلك قد سبقه إليه بعض أهل العلم، فما تعليقكم؟

-نقول لاشك ان هناك بعض أهل العلم قد قال بهذا القول قديمًا ولكن ليس كل ما قيل يكون صحيحًا موافقًا للكتاب والسنة، فإن الخطأ وارد على المتقدم كما هو الشأن في المتأخر، ونحن نبين هذه المسألة لأهميتها في الآتي:

الأول: إن خلاف العلماء في أي مسألة من المسائل مرجعه إلى الكتاب والسنة لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقوله جل شأنه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} وقوله عز شأنه {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ، وليس اختلاف العلماء دليلًا شرعيًا، وإنما يؤخذ من أقوال أهل العلم ما وافق الكتاب والسنة، ويرد ما خالفهما، مع حفظ مقام العلماء، ومعرفة فضلهم، فإنهم مجتهدون مأجورون.

وهذا أصل مهم في هذه المسألة وغيرها، فلا يصح أن يحلل الإنسان شيئًا أو يحرمه بناء على اختلاف العلماء، فإن الحجة في إجماعهم وليس في اختلافهم، ومن جعل اختلافهم حجة فقد رد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، والله يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ، ويقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} .

وعلى هذا فمن ترك نصوص القرآن والسنة الدالة على تحريم السحر تحريمًا قطعيًا، واستند في فتواه في جواز حل السحر عن المسحور بسحر مثله إلى بعض آراء أهل العلم فقد جانب الصواب، وخالف الكتاب، واستدل بما ليس بدليل بالإجماع.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت