كذلك التضرع في الأسحار، الذي يقوم في وقت السحر، وقد نامت العيون، وهدأت النفوس، وخلا كل حبيب بحبيبه، وخلا أحباء الله بربهم وحبيبهم، في هذا الوقت والسماء صافية تكون الأبواب مفتوحة، والله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل في وقت السحر، فالمسلم لا ينبغي له أن يضيع وقته هباءً منثورًا، فلا يضيع الليل كله في النوم، قال تعالى: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18] السحر وقت من الأوقات التي يتجلى الله فيها على عباده، وإن عز المؤمن وشرفه قيام الليل، ولأجل أن يطيب قلبك ويحيا قم من الليل ولو قليلًا، عود نفسك على صلاة ركعتين، ثم صلاة أربع ركعات، ثم يفتح الله عليك بجزء من القرآن في ثمان ركعات، ثم بجزئين من القرآن في عشرين ركعة، ثم ثلاثة أجزاء من القرآن، وهكذا تترقى في العبادة؛ ولذلك مر رجل من التابعين على صديق له بجوار بيته في الثلث الأخير من الليل، فما سمع صوتًا، فلما لقيه في الفجر قال: يا فلان أكان البيت نائمًا قبل الفجر؟ قال: نعم، ما استيقظنا إلا عند صلاة الفجر، فقلب كفيه وقال: عجبًا لمسلمين ينامون طوال الليل.
إذًا: قيام الليل نور المؤمن، يقول أحد السلف: رأينا الحسن البصري وعليه نور وكان رجلًا أسمر، وإذا به كل يوم عليه هالة من النور! قال: فقلت: يا حسن! عهدناك آدم البشرة فما هذا النور الذي علاك؟ قال: نحن قوم خلونا بالله في ظلمات الليل، فكسانا ربنا من جماله وجلاله.
سلكوا الخط ودخلوا على باب الله الذي ليس له بواب فدخلوا إلى الله عز وجل؛ فأكرمهم برحمته، اللهم أكرمنا معهم يا رب العالمين! إذًا: مفتاح حياة القلوب تدبر القرآن، والتضرع في السحر؛ لأن الله تعالى قال: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62] ، ادع الله يا رب! يا رب! يا رب! ولذلك نحن سمعنا أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد ما انتهى من صلاة الصبح في المسجد نادى على شاب، وقال له: ماذا كنت تقول في الليل؟ قال: قمت الليل بآية أقولها وأبكي: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62] إلى آخر الآية، سيدنا الحبيب يقول له: (يا غلام! لقد أبكيت أعين كثير من الملائكة) تجاوبت السماء مع دعاء العبد؛ لأن الملائكة بطبيعتها تؤمن على دعائك، والذي أمنت الملائكة على دعائه إن شاء الله يكون دعاؤه مستجابًا.
قال تعالى: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر:9] يقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة العشاء في جماعة ونام على ذكر الله عز وجل، فلما نام ما منعه من الذكر إلا النوم، تكتب الملائكة طوال نومه أنه جالس وواقف يصلي لله) لأن النوم هو الذي عطله؛ لأنه لابد أن ينام؛ فهو بشر يحتاج إلى النوم، فتقول الملائكة: إنه لو كان صاحيًا لاستمر في الذكر، ولواصل الصلاة اللهم اجعلنا من أهل قيام الليل، اللهم اجعلنا من القائمين لله بالليل، اللهم اجعلنا من القائمين لك بالليل يا رب العالمين!