فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 549

جاء أمية بن خلف -والعياذ بالله- ببعض عظام من مقابر في مكة قد بليت، وأخذها بيده وطحنها ونفخ بها في الهواء، وقال: (يا محمد! هل يستطيع ربك أن يعيد هذه مرة أخرى؟) ، فينزل جبريل الأمين بآخر سورة ياسين، قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78 - 79] ، ثم بعد ذلك التنظير يقول سبحانه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [يس:80] ، فالشجر الأخضر يحمل أوراقًا فيها التمثيل الضوئي وفيها مادة البلاستيد الخضراء وفيها ما نستخدمه من طاقة، قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:80 - 83] .

فانظر إلى بساطه هذه الآيات وسهولتها وكيف يضرب الله مثلًا على مسألة الخلقة.

وهذا عزير تزوج بامرأة، وبعد يومين خرج ذاهبًا إلى مزرعته، كان فلاحًا مزارعًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وكان أحد الأنبياء والرسل، فمر عزير عليه السلام على مقابر وأشواك عظام بالية، فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة:259] ، ولا يقول ذلك من باب التعجيز، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، قال تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة:259] ، أي: قبض ملك الموت روحه مائة سنة، وكانت امرأته حاملًا، فنام مائة سنة ثم أفاق وبجانبه ملك، فقال له الملك: {كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة:259] ، قال: هل هذا معقول؟ هل أنا نمت مائة سنة؟ قال: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة:259] ، ويقال: إنه أخذ معه تينًا ولبنًا وماءً، ومكث معه هذا الطعام مائة سنة فنظر إلى طعامه هذا فوجده لم يتغير.

قال: {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة:259] ، فنظر إلى عظام الحمار منثورًا، فركب الله الهيكل، وإذا بالعظم يكسى باللحم، ثم جرت فيه الدورة الدموية، فأوقف الله الحمار على أربع ينفض أذنه، {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:259] ، لكنه لم ير سر الصنعة.

كذلك سيدنا إبراهيم قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ، وليس من سمع كمن رأى، وهكذا سيدنا موسى الكليم قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] ، فأراد أن ينعم الله عليه برؤيته فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف:143] .

إذًا: قال الخليل إبراهيم عليه السلام: أريد يا رب! أن أنظر كيف تحيِ الموتى، {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة:260] هات مثلًا حمامة ويمامة ودجاجة وعصفورة يعني: أربعة من الطير مختلفة، واذبحها واقطعها قطعًا واخلطها ثم انثرها فوق الجبل، قال تعالى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} [البقرة:260] أي قل لهن: تعالين بإذن الله، {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة:260] ، فدعاهن فأتين طائرات إليه بإذنه سبحانه.

دخل رجل على الشافعي فقال له: يا إمام! ما الدليل على وجود الله؟ قال: ورقة التوت، تأكلها الشاة فتخرجها بعرًا، وتأكلها البقرة فتخرجها روثًا، وتأكلها النحلة فتخرجها شهدًا، وتأكلها الدودة -دودة القز- فتخرجها حريرًا، وتأكلها الغزالة فتخرجها مسكًا، من الذي وحد الأصل وعدد المخارج؟ فانظر ما هو المدخل وما هو المخرج، فقد قيل: تفكر ساعة خير من عبادة سنة.

ويذكر أن أعرابيًا جلس تحت ظل شجرة، فنظر إلى جمله وقد بعر بعرًا ورجلاه على الرمال، ونظر إلى البحر من بعيد فقال: البعرة تدل على البعير وأقدام السير تدل على المسير، فأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير، وهل يعقل المرء هذا كله ويقول: أين الله؟ قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فقوله تعالى: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات:53] أي: هل يعقل أننا بعد أن نكون ترابًا وعظامًا نبعث مرة أخرى ونسأل؟ ولذلك قال: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} [النجم:47] .

إذًا: سوف يفنى من ابن آدم كل شيء إلا عجب الذنب، وهي ذرة من العصعص آخر فقرة من العمود الفقري الموجود في الظهر، ومازالت الأبحاث العلمية لم تصل إلى هذه النقطة، لكن هناك بوادر في أمريكا إذ بدءوا يصلون إلى أن كل شيء يفنى من ابن آدم إلا الجزئية الأخيرة من العصعص، لماذا؟ لأن هذا حديث رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت