الصفة الثانية: قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] .
ومعنى (سلامًا) أي: سلامة منكم ومن جهلكم، من هم هؤلاء الجاهلون؟ أي إنسان بعيد عن الله فهو جاهل ولو كان حاصلًا على أعلى الدرجات العلمية، طالما أنه بعيد عن الله فاسمه جاهل، الذي عنده خشية من الله هو أعلم العلماء، فإنما العلم الخشية، وليس العلم كثرة الرواية.
قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} .
وهذا الحسن البصري عندما قال له شخص: يا فاجر، قال له: بارك الله فيك، فقال له: يا منافق، قال له: سامحك الله، قال له: يا زنديق، قال له: أكرمك الله برحمته، فالرجل قال: لا، الظاهر عليه أنه بارد الأعصاب لا يغضب، فمشى، ثم إن الحسن البصري قال له: لقد أخبرتني عن ثلاث صفات سيئة فقط، وعندي صفات غيرها أتريد أن تعرفها؟ فقال له الرجل: لو قلت لي كلمة لقلت لك عشرًا، فقال له الحسن البصري: وأنت لو قلت لي مائة كلمة ما قلت لك كلمة، لم يكن هؤلاء يبحثون عن راحة أنفسهم، وأعصابهم كانت هادئة، لا تجد عندهم تصلب شرايين، ولا ضغطًا، ولا توترًا عصبيًا.
يقول الله عز وجل في حديثه القدسي: (ابن آدم! لو سمعت وصفك من غيرك لاحتقرت نفسك، وأنت لا تدري من الموصوف) لو سمعت صفتك وأخلاقك من شخص غيرك تقول: يا خسارة عليه، إنه كذا وكذا، وهو أنت، سبحان الله! الواحد منا لابد أن يعيد حساباته.
قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] قوله: (( قَالُوا سَلامًا ) )أي: سلامة وتسليمًا منكم أيها القوم الجاهلون! فالجاهل كل من هو بعيد عن الله، ولذلك سميت فترة العصر الذي قبل الإسلام بالجاهلية، العصر الذي فيه البعد عن الله وعبادة الأوثان، وهذه الجاهلية لا تخص عصرًا بذاته، وإنما تعم كل انحراف للأمم بعيدًا عن منهج الله فهذه اسمها جاهلية، حتى وإن كان في القرن الواحد والعشرين، طالما المجتمعات بعيدة عن الله فهي جاهلية.
إذًا: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] ، فقد تجد شخصًا يضربك بسيارته، ثم تسمع منه الشتائم فاصبر، وعود نفسك على الصبر، يقول لك: يا كذا، قل له: بارك الله فيك يا أخي، هو يشتم، وأنت ترد عليه بأدب، لكن أحيانًا شتائم غريبة، ولا نراها في أي دولة، لا في أوروبا ولا في أمريكا، لم تفتح الإشارة بعد، وإذا به يضغط على هاون السيارة والناس ينظرون إليه، وهو لا يبالي.