فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 873

تفسير قوله تعالى:(ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة)

قال الله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:47 - 49] .

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور:9 - 10] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] ، وقال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة:5] ، وقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105 - 107] .

يذكر تعالى بأنه تذهب الجبال وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعًا صفصفا -أي: سطحًا مستويًا- لا عوج فيه ولا أمتا، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً) ، أي: بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية، قال مجاهد، وقتادة (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً) ، لا حجر فيها ولا غيابة].

قال قتادة: لا بناء ولا شجر].

وقد يكون لفظهما (لا خمر فيها ولا غيابة) ، والخمر: الشيء الذي يغطي، ومنه الخمر، سمي خمرًا لأنه يغطي العقل، ومنه خمار المرأة، سمي خمارًا لأنه يسترها ويستر وجهها، أي: ليس هناك شيء يغطي شيئًا، فكل الناس موقوفون لله عز وجل حفاة عراة لا يسترهم شيء ولا يغطيهم شيء، فقوله: (لا حجر) له معنى، لكن (لا خمرًا) قد تكون أقرب.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ، أي: وجمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحدًا لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة:49 - 50] ، وقال: {َذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103] ، وقوله: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} [الكهف:48] ، يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًا واحدًاَ، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ:38] ، ويحتمل أنهم يقومون صفوفًا صفوفا، كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22] .

وقوله: (لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، هذا تقريع للمنكرين للمعاد وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطبًا لهم: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) ، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.

وقوله: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) ، أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل، والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) ، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا) ، أي: يا حسرتنا وويلنا].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت