فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 873

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: {نُزُلًا} أي: ضيافة؛ فإن النزل: الضيافة، وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدًا {لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} أي: لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر: فحلت سويدا القلب لا أنا باغيًا سواها ولا عن حبها أتحول] .

يعني: تمكنت محبتها مني حتى وصلت إلى سويداء القلب، ووصلت إلى شغافه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي قوله: {لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها] .

ورد في الحديث الصحيح: (أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ينادي مناد فيقول: يا أهل الجنة! إن لكن لكم أن تصحوا فلا تسقموا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا) .

ففي الجنة يكون المؤمن في شباب دائم وصحة دائمة وخلود دائم، فليس فيها مرض، ولا هموم، ولا موت، ولا شيخوخة، ولا أحزان، ولا أكدار، ولا بول، ولا غائط، ولا مخاط، ولا نوم، ولا حيض، ولا نفاس بالنسبة للنساء، بل هناك نعيم دائم، وسرور دائم، وتنزع من قلوب المؤمنين الأغلال والأحقاد؛ لأن الله يقتص للمؤمنين بعضهم من بعض، وذلك أنهم إذا تجاوزوا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، ونرد المظالم التي كانت بينهم في الدنيا ثم تنزع السخائم من نفوسهم، فيدخلون الجنة على غاية من الصفاء وسلامة الصدر، إخوانًا على سرر متقابلين، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47] ، نسأل الله الكريم من فضله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولًا ولا انتقالًا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلًا] .

وذلك لما هم فيه من السرور، بخلاف منازل الدنيا، فإن الإنسان يسأم منها ويملها، وهذا أمر مشاهد، فإذا أقام الإنسان مدة طويلة في المكان سأمه، فيحب أن يغير المكان، وترى اليوم الناس إذا جاءت الإجازة الصيفية فإن أغلبهم يتحركون للرحلات، وإن كان فيها تعب؛ لأنهم سئموا الإقامة في ذلك المكان، أما أهل الجنة فيمكثون فيها المقام السرمدي الأبدي، ولكنهم يحبون البقاء فيها لما هم فيه من النعيم الدائم، والصحة الدائمة، والسلامة الدائمة، والحبور الدائم، نسأل الله الكريم أن يجعلنا منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت