ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال:"سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ما كان للنبي ... الآية} ". وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت. ومن طريق قتادة قال:"ذكرنا له أن رجالًا"فذكر نحوه) [1] .
ثم إن قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} تضمن قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم؛ فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.
شبهة وردها:
فإن قيل: فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا وجهه: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين.
قيل له: إن ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، والدليل عليه: ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيًا قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) .
قال الإمام القرطبي: (وهذا صريح في الحكاية عمن قبله, لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم. والله أعلم. والنبي الذي حكاه: هو نوح عليه السلام) .
وقال الطاهر بن عاشور في قوله تعالى: {ما كان للنبي ... } : (وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار) [2] .
وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة.
(1) "فتح الباري": (8/ 367 - 377) ط ثالثة - دار الفكر - 1407هـ.
(2) "التحرير والتنوير": (11/ 44) ط دار سحنون بتونس - بدون رقم وبدون تاريخ.