هذا إغراض وتلميح بما رماه به خصومه من ملحدي مصر من أن آرائه"المتطرفة"مرجعها إلى العذاب الذى رآه على يد النظام، لا إن آرائه تحمل في ذاتها حقًا! حيلة رخيصة للتخلص من مواجهة الموضوع ذاته، بتحويل النظر إلى ظروف صاحبه الصعبة وإلقاء ظلالا للشك على موضوعية الآراء من هذا الباب، ولكن هيهات هيهات، فهناك من هم متيقظون لهذه التكتيكات المغرضة، فأين النقد الموضوعي للجمل التي ذكرت يا شيخ قرضاوي؟ أين دليلك من الكتاب والسنة على عدم صحتها (عدا الحديث عن ظروف سيد في السجن وتجربته وعن ظلم عبد الناصر والثورة!!!) ؟
(هنالك رأى سيد قطب أن الكفر قد كشف اللثام عن نفسه، وأنه لم يعد في حاجة إلى أن يخفيه بأغطية وشعارات لإسكات الجماهير، وتضليل العوام.
هنالك رأى أن يخوض المعركة وحده، راكبا أو راجلا، حاملا سيفه"ولا سيف له غير القلم"لقتال خصومه، وما أكثرهم. سيقاتل الملاحدة الجاحدين، ويقاتل المشركين الوثنيين، ويقاتل أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويقاتل المسلمين أيضا، الذين اغتالتهم الجاهلية، فعاشوا مسلمين بلا إسلام!
وأنا برغم إعجابي بذكاء سيد قطب ونبوغه وتفوقه، وبرغم حبي وتقديري الكبيرين له، وبرغم إيماني بإخلاصه وتجرده فيما وصل إليه من فكر، نتيجة اجتهاد وإعمال فكر أخالفه في جملة توجهاته الفكرية الجديدة، التي خالف فيها سيد قطب الجديد سيد قطب القديم .. وعارض فيها سيد قطب الثائر الرافض سيد قطب الداعية المسالم، أو سيد قطب صاحب"العدالة"سيد قطب صاحب"المعالم".
ولقد ناقشت المفكر الشهيد في بعض كتبي في بعض أفكاره الأساسية، وإن لامني بعض الإخوة على ذلك، ولكني في الواقع، كتبت ما كتبت وناقشت ما ناقشت، من باب النصيحة في الدين، والإعذار إلى الله، وبيان ما أعتقد أنه الحق، وإلا كنت ممن كتم العلم، أو جامل في الحق، أو داهن في الدين، أو آثر رضا الأشخاص على رضا الله تبارك وتعالى.
ونحن نؤمن بأنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل أحد غيره يؤخذ من كلامه ويرد عليه، وأن ليس في العلم كبير، وأن خطأ العالم لا ينقص من قدره، إذا توافرت النية الصالحة، والاجتهاد من أهله، وأن المجتهد المخطئ معذور، بل مأجور أجرا واحدا، كما في الحديث الشريف، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية أو العملية، الأصولية أم الفروعية، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما.