ـ [محمد خلف سلامة] ــــــــ [13 - 12 - 05, 07:46 ص] ـ
تكميل:
بمناسبة ما ورد في ترجمة العلامة محمد الخضر حسين من ذكْر رده على علي عبد الرزاق؛ أضع بين يديك شيئًا من قصة ذلك الكتاب الخبيث:
(( كتاب سيء وردود حسنة ) )
أصدر علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الشرعية في إبريل 1925 كتابه (الإسلام وأصول الحكم) والذي حاول فيه أن يثبت أن الخلافة ليست أصلًا من أصول الإسلام وأن هذه المسألة دنيوية سياسية أكثر من كونها مسألة دينية، وأنها مع مصلحة الأمة نفسها مباشرة، وأنه لم يرد بيان في القرآن ولا في الأحاديث النبوية في كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه.
وذهب في كتابه السيء هذا إلى القول بأن"التاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد".
قام علي عبد الرازق بإهداء نسخة من كتابه الجديد إلى صديقه الدكتور محمد حسين هيكل رئيس تحرير جريدة"السياسة"لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، وكانت أسرة"عبد الرازق"من قادة الحزب ورجاله المبرزين فأعلنت الجريدة في 24 مايو 1925 عن صدور الكتاب وجهود الشيخ علي عبد الرازق المبذولة فيه.
وممن انتصر للكتاب وخاض في نصرة باطله عباس محمود العقاد وكان يومئذ كاتب الوفد الأول، فكتب من أجله مقالًا سيئًا في صحيفة"البلاغ"يوم 20/ 7/1925 مدافعًا عما أسماه: حرية الرأي والتفكير والتعبير.
وقد اطلع الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى على الكتاب وكتب مقالة فيه، في الصفحة الأولى بجريدة (اللواء المصري والأخبار) يوم 8 يونيو 1925 ألمح فيها إلى خطورة الدعوة التي يتناولها الكتاب وإلى خطورة أن يأتي بهذه البدعة قاض شرعي وعالم أزهري، واستنفر مشيخة الأزهر للتصدي للكتاب ولمؤلفه؛ لأنه - أي المؤلف - واحد منهم؛ فقال:
(أول ما يقال في وصف هذا الكتاب، لا في الرد عليه، أنه هدمٌ لحكم الإسلام وشرعه من أساسه، وتفريق لجماعته، وإباحة مطلقة لعصيان الله ورسوله في جميع الأحكام الشرعية الدنيوية من أحكام شخصية وسياسية ومدنية وجنائية، وتجهيل للمسلمين كافة؛ وإننا سنرد على جميع أبوابه وفصوله ردًّا مفصلًا، ولكننا لا نقول في شخص صاحبه شيئًا، فحسابه على الله تعالى، وإنما نقول: إنه لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عنه، فإن هذا المؤلف الجديد رجل منهم، فيجب عليهم أن يعلنوا حكم الإسلام في كتابه، لئلا يقول هو وأنصاره إن سكوتهم عنه إجازة له أو عجز عن الرد عليه) .
وكان الشيخ محمد رشيد رضا قد أشار على العلماء بألا يطالبوا الحكومة باتخاذ إجراء بشأن الكتاب أو صاحبه؛ لأن في هذا تعظيمًا لشأن الكتاب لا يستحقه، واعترافًا ضمنيًا بالعجز عن الرد عليه؛ ولذا تبارى العلماء في الرد على"الإسلام وأصول الحكم".
وحين سُئل سعد زغلول عن رأيه في الكتاب قال: (لقد قرأته بإمعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب، فعجبت أولًا كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب في مثل هذا الموضوع؟! وقد قرأت كثيرًا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه الحدة في التعبير على نحو ما كتب الشيخ علي عبد الرازق) .
وظهرت مقالات، فيها ردود على الكتاب، لكثير من العلماء والكتّاب، وبعث الكثير منهم بردوده على الكتاب إلى جريدة السياسة أملًا فيما تنادي به من حرية الرأي، فتنشر الردود كما نشرت عن الكتاب ومحتوياته إلا أن تلك الردود لم تجد صدى لدى الجريدة وأنصارها، ولا لدى علي عبد الرازق نفسه.
وإزاء تلك الضجة والثورة التي قام بها العلماء والأهالي والطلاب أعلنت مشيخة الأزهر أنها قررت تأليف لجنة مكونة من ثلاثة علماء لبحث الكتاب وتقديم تقرير بنتيجة بحثهم، غير أن إلحاح العلماء والجمهور جعل المشيخة تتخذ قرارًا ثانيًا بأن تعقد هيئة كبار العلماء محاكمة لعلي عبد الرزاق، لمناقشته فيما ورد في الكتاب.
وفي 12 أغسطس 1925م اجتمع كبار العلماء برئاسة الشيخ"محمد أبو الفضل"شيخ الأزهر وحضور 24 عضوًا آخرين، وكذلك"علي عبد الرزاق"الذي دَفع دفعًا شكليًّا في أول الأمر بعدم اختصاص الهيئة بالنظر في قضيته، ولكن الهيئة رفضت دفعَه وأصدرت حكمها بالإجماع بعد أقل من ساعتين بإخراجه من هيئة كبار العلماء.
ثم كتب علي عبد الرزاق في أول رمضان (15 مارس 1926) في جريدة السياسة مقالًا عده الأمير شكيب أرسلان هجومًا خفيًّا على الدين، فرد عليه"شكيب"في (كوكب الشرق) تحت عنوان"أيهزأ أم أنا لا أفهم العربية؟!"قال فيه:"قرأت في جريدة السياسة مقال الشيخ علي عبد الرازق عن رمضان، وأعدت النظر فيه كرتين فلم أفهم منه إلا أنه يهزأ بالدين، ويذم في معرض المدح، ويشير من طرف خفي إلى أن القرآن حمل الناس على الضرر، بل على المحال". انتهى.
قمع الله الباطل ومن ينصره؛ وأثاب الله كل من يذب عن دينه ويغار عليه ثواب المحسنين، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ؟
أصل هذه المقالة مقالة لياسر حجازي منشورة على موقع (إسلام أون لاين) (ثقافة وفن) ؛ وقد اختصرتها وتصرفت بها بحسب ما أقصد إليه في مقالتي هذه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)