وكم من كتاب ما كنت أظن أني سأنظر إليه، أصبح بعد في حجري لا أستغني عنه ما دمت أبحث في العلم. فمن كان يجمع الكتب من بدايات طلبه للعلم، سيحمد ذلك عندما يعرف قيمة ما جمع.
وأما من كان لا يشتري حتى يقرأ ما جمع فإن انصلح شأنه، فسيندم على سوء سياسته تلك بعد حين، ولات حين مندم.
ولو تصفحت تراجم كبار الأئمة، والعلماء المبرزين، لوجدت أن القاسم المشترك بينهم هو حب الكتب والشغف بها، وأنهم من أصحاب المكتبات العظيمة.
وأما رحلتهم مع الكتاب وقصتهم معه، فهي قصص تملؤها العاطفة والتفاني والبذل واحتقار الدنيا وملذاتها: فكم من عالم رضي بالجوع دهرًا ليقتني الكتب، وكم من عالم آخر باع ثوبه الذي على جسده أو داره التي يسكنها ليمتلك كتابًا، وكم من عالم رضي ببكاء أهله وأولاده عريًا وحرمانًا ولم يرض بيع كتاب له، وكم من إمام بكى وغلب حزنه صبره لما فاته كتاب .. وكم وكم!!
ومن عجائب ذلك قصة الحافظ أبي العلاء الحسن بن احمد بن سهل الهمذاني العطار (ت 569هـ) ، وكان قد جمع كتبًا كثيرة، ورحل إلى البلدان من أجل ذلك، وعمل دارًا للكتب وخزانة، ووقف جميع كتبه فيها لطلبة العلم!
ومن غرائب ما حصل له في جمعه للكتب: أنه كان مرة ببغداد، ونودي بالمزاد على كتب لابن الجواليقي بمبلغ كبير، فاشتراها أبو العلاء العطار، على أن يوفي الثمن بعد أسبوع، ولم يكن لديه ثمنها. فخرج إلى طريق همذان، فرحل، إلى أن وصلها - فأمر بأن ينادى على داره بالبيع!!! فلما بلغت السعر الذي اشترى به الكتب، قال للمنادي: بيعوا، فقال له المنادي: تبلغ أكثر من ذلك، فلم ينتظر خشية أن ينتهي أمد وفاء ثمن الكتب، فباع داره، ثم ركب إلى بغداد، فوفى الثمن، ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة!!!
ولما توفي هذا الإمام رؤي في المنام وهو في مدينة جميع جدرانها مبنية بالكتب، وحوله كتب لا تحد ولا تحصى، وهو مشتغل بمطالعتها!!
فقيل له: ما هذه الكتب؟! قال: سألت الله أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا، فأعطاني!!
فعلى طلبة الحديث أن يبدؤوا في تكوين مكتبة من بداية طلبهم، شيئًا فشيئًا؛ فإنهم إن استمروا في الطلب فسيجدون غب ما جمعوا خيرًا وفائدة واستغناء وسعادة!
من نقل أخي الكريم المسيطير لكتاب نصائح منهجية لطلاب السنة النبوية للشيخ حاتم العوني
ـ [الأبهيشي] ــــــــ [17 - 11 - 09, 08:19 ص] ـ
لله در الشناقطة .. ضُرِبَ بهم المثل في العلم .. و السبب في ذلك ـ كما ذكر الشيخ محمد الحسن الددو ـ قلة الكتب عندهم!! فاضطروا إلى الحفظ , فكان من أمرهم ما أشتهر و ذاع ..