فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 53187 من 72678

ثم إن تربية النشء على العبادة والعلم والدعوة منذ الصغر يجعل هذه الأمور جزءا من حياته، يألفها وتألفه، يستوحش حال فقدها، ويحزن إن حرم منها، حتى إنه إذا مرض فحال المرض بينه وبينها كان أشد ألما لمفارقتها منه لمرضه، بخلاف غيره ممن يسر بالمرض والسفر وسائر الأعذار التي تبرر له التراخي والانقطاع، وكلما كانت التربية أشمل وأكمل كانت أبقى وأنقى وأدوم، وعلى قدر الخلل يكون التقصير.

ومن جوانب التربية التي تقي من الفتور بإذن الله:

أ-التربية على المبادرة الذاتية ونبذ الاتكالية والاعتماد على الآخرين، على أن يلحظ أهمية التوازن في هذا الأمر.

ب- التربية على الشعور بالمسئولية، والقيام بما أوجبه الله عليه، والتخلص مما يحول دون ذلك.

(1) - أخرجه البخاري (2/ 104) كتاب الجنائز، باب [93] ومسلم (4/ 2047) كتاب القدر، رقم (2658) .

ومن تربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصحابته أن رباهم على الاعتماد على أنفسهم، دون الاتكال على الآخرين، حتى إنه بايع بعضهم على ذلك، كما روى الإمام مسلم في حديث أبي مسلم الخولاني عن عوف بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعهم - أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا- وأسر كلمة خفيفة-: ولا تسألوا الناس شيئا - (1) .

وروى النسائي عن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - من يضمن لي واحدة وله الجنة؛ ألا يسأل الناس شيئا - (2) .

وهذه الأحاديث وإن كانت في سؤال الناس أموالهم ونحو ذلك، إلا أن الصحابة فهموا أنها في كل شيء، أو تركوا ذلك تورعا حماية للعهد والبيعة، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل من دابته ويأخذه ولا يسأل الناس أن يعطوه إياه، فلله درّهم.

13 -تنويع العبادة والعمل

النفس ملولة تكره الرتابة والجمود، وتحب التجديد والتنويع، ومراعاة النفس أمر مطلوب شرعا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتخول صحابته بالموعظة مخافة السآمة عليهم، وابن مسعود - رضي الله عنه - كان يمنعه من أن يحدث أصحابه كل يوم لئلا يملهم، وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- يقول:"إن للنفس إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فحزها بالعزيمة وإذا أدبرت فاقصرها على الفرائض".

ولذلك فإن التجديد والتنويع في حدود ما شرع الله، يعطي النفس دفعة وحيوية ونشاطا، فكم مارس الإنسان من عمل حتى إذا أدركه الفتور فيه وثقل عليه انتقل إلى غيره، فيتجدد نشاطه، وتقوى عزيمته، ويجد فيه لذة ومتعة، ولو استمر في العمل الأول لخارت قواه ووهنت عزيمته، وربما أدى به إلى كرهه والنفور منه.

(1) - أخرجه مسلم (2/ 721) كتاب الزكاة، رقم (108) .

(2) - أخرجه أبو داود (2/ 121) كتاب الزكاة رقم (1643) وابن ماجة (1/ 588) كتاب الزكاة، رقم (1837) وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (6603) .

وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إذا عجزوا عن عمل أن ينتقلوا إلى غيره من الأعمال التي يستطيعونها، فقد روى البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: - قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرقاب أفضل، قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا. قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق. قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك - (1) .

وكذلك نجد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يذكر عددا من الأعمال الفاضلة كما في حديث: - ذهب أهل الدثور بالأجور - (2) وذلك ليكون أمام المسلم فرصة للتنويع حسب الحال والزمان، دون ملل أو فتور.

ولكن يجب التنبه إلى أن التنويع في العمل لا يعني الفوضى وعدم الاستقرار، فإن هذا من أسباب الفتور كما أشرت سابقا، والذي يبدأ العمل ولا يتمه، ويقيم المشروع ثم يتخلى عنه، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.

ولذلك يكون التنويع في الأعمال والعبادات التي يقتصر نفعها على صاحبها، والتنويع فيها لا يعني ترك العمل بالكلية، وإنما يعمل العمل فإذا تعب تحول عنه إلى غيره، ثم يعود إليه مرة أخرى، كمن يكون في الحرم مثلا: يصلي من الليل ما شاء، ثم يقرأ في كتاب الله، أو يذهب ليطوف بالبيت، أو يذكر الله قائما أو قاعدا أو على جنب. وهكذا في بقية الأعمال والعبادات.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت