(1) - أخرجه البخاري (3/ 117) كتاب العتق، باب [2] ومسلم (1/ 89) كتاب الإيمان، رقم (136) .
(2) - أخرجه البخاري (1/ 205) كتاب الأذان، باب [155] ومسلم (1/ 416) كتاب المساجد، رقم (595) .
ويكون التنويع أيضا في الأعمال التي لا يكون ترك العمل والتحول عنه سببا لفشله وذهابه، كأن يجد من يحل محله دون أي خلل أو تقصير، مما هو من فروض الكفايات، أما ما سوى ذلك فعليه أن يجاهد نفسه ويتقي ربه، فسيجعل الله له من أمره يسرا (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (1) [سورة الطلاق، الآية: 4] . (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (2) [سورة الطلاق، الآية: 2] . (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (3) [سورة العنكبوت، الآية: 69] .
14 -القدوة الصالحة
للقدوة الصالحة تأثير عجيب في استنهاض الهمم والأخذ بالعزيمة.
وكثير من النفوس أو أكثرها لا تؤثر فيها المواعظ والترغيب والترهيب، كما يؤثر فيها أن تذكر قصة رجل عصامي أو علم من الأعلام، ولنأخذ هذا المثال:
تحدثت في أكثر من مناسبة عن أهمية الوقت، ووجوب المحافظة عليه، واستدللت لذلك من الكتاب والسنة وسير السلف الصالح وأقوالهم، ثم كنت أختم الحديث بذكر حياة علم من أعلامنا وشيخ من مشايخنا المعاصرين، وكيف يفيد من وقته، وأنه لا يعرف عنه أنه أضاع بضع دقائق في يومه، أو أنه أخذ إجازة في عامه أو أسبوعه، فكل حياته عمل وجد ونشاط، عبادة وعلم ودعوة، وقيام بحقوق الخلق والخالق. فكنت أجد أن تأثير هذه القدوة أعظم من تأثير بقية الكلام على أهميته وموضوعيته.
ولذلك فإنني أنبه الدعاة وطلاب العلم والمربين إلى أهمية المكانة التي يتبوؤنها، وأن طلابهم ومحبيهم بل وعامة الناس يتأثرون بأفعالهم، أكثر مما يتأثرون بأقوالهم.
ولما ذكر الله جل وعلا أنبياءه ورسله في سورة الأنعام ختم ذلك بقوله:
(1) - سورة الطلاق آية: 4.
(2) - سورة الطلاق آية: 2.
(3) - سورة العنكبوت آية: 69.
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (1) [سورة الأنعام، الآية: 90] . وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (2) [سورة الأحزاب، الآية: 21] . ولذلك فإن ذكر حياة العلماء القدوات - وبخاصة المعاصرين منهم - يشد من أزر العاملين، ويوقظ الكسالى والنائمين، ويكون حجة على المتخاذلين التبريريين، الذين يحتجون بتغير الزمان، وفساد الأحوال.
وما لزماننا عيب سوانا
ولو نطق الزمان بنا هجانا
نعيب زماننا والعيب فينا
ونهجو ذا الزمان بغير حق
ولنقرأ هذه الكلمات لنعرف أثر القدوة في استنهاض الهمم وشد العزائم
قال ابن الجوزي: لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه، ولقيت عبدالوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف، لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرا على سماع الحديث. ولقيت أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري لما يقول، متقننا محققا، وربما سئل عن المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض علمائه، فيتوقف فيها حتى يتيقن.
فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما، ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول (3) .
ومما يلحق في باب القدوة وتأثيرها:
دراسة سير الأنبياء والمصلحين:
إن دراسة سير الأنبياء والمرسلين- عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- وذلك من خلال القرآن الكريم وما ورد في السنة النبوية، وأخذ العبر من حياتهم ومواقفهم مع قومهم، وما واجهوه من مشكلات وعقبات.
(1) - سورة الأنعام آية: 90.
(2) - سورة الأحزاب آية: 21.
(3) - انظر صيد الخاطر 443.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)