ومرةً يقول لي مشكلة الصحوة أنها رفضت الفكر الغربي والاستفادة منه برغم أن الحكمة ضالة المؤمن، ثم يأتيني لاحقًا ويقول لا أدري لماذا يشتم الصحويون الغرب وهم ينهلون من معين العلوم المدنية الغربية والتقنيات الغربية الحديثة، فكثير من الأطباء والمهندسين مطاوعة، وكل المشايخ لهم مواقع إلكترونية، بل حتى تنظيم القاعدة -وهو أكثر اتجاه اسلامي تطرفا- يتفانى في استخدام ارقى التقنيات التكنولوجية العسكرية الغربية، بل انظر إقبال الصحويين على البعثات وكيف يتسابقون إليها ويحثون شبابهم على الاستفادة منها!
ومرةً يقول لي الصحوة مجرد ظاهرة شكلية تنفعل بالأحداث السياسية وغير قادرة على إحداث أي شئ، ثم يأتيني لاحقًا ويقول الصحوة مهيمنة على المجتمع ونافذة في مؤسساته وتؤثر بشكل خطير على القرارات السياسية.
ومرةً يقول لي مشكلة الاحتساب الصحوي أنه يمارس تحريض الدولة على الفكر المخالف، ثم يأتيني لاحقًا ويقول يجب على الدولة أن تمارس الحزم في مسائل المدنية، ولاتسمع لهؤلاء المتخلفين، لقد جربت الدولة الحسم وكان هو الأجدى.
ومرةً يقول لي الفكر الصحوي المتخلف هو الذي أخر عمليات المأسسة في مفهوم الدولة الحديثة أن تتعمق في مجتمعنا، بسبب تبني الصحوة الدينية لمفهوم"العزلة الشعورية"والانفصال وعدم الاندماج في مؤسسات المجتمع مما ترتب عليه تفويت فرصة كبيرة لتأسيس مفهوم الدولة الحديثة، ثم يأتيني لاحقًا ويقول مشكلة الصحوة هي النفوذ داخل الهياكل المؤسسية للدولة، وقد كانوا يتنادون للتغلغل فيها عبر فكرة كانوا ينقلونها عن ابن باز وهي قوله (زاحموهم .. زاحموهم .. ) وهذا أدى لشلل القلب النابض للمجتمع وهو مؤسساته المدنية.
ومرةً يقول لي الصحويون يفتون بكل شئ، وماتركوا علمًا إلا خاضوا فيه، وهذا ليس شأنهم، ثم يأتيني لاحقًا ويقول لي: أين إجابات الصحوة في الإشكاليات والعلوم المدنية الحديثة، الصحوة غائبة عن الواقع!
ومرةً يقول لي: مشكلة الفكر الديني الصحوي هو الاحتجاج بأقوال الرجال وليس بالأدلة، ثم إذا ناقشته في مسألة من المسائل وذكرت له الأدلة احتج علي فيها بأن المسألة فيها مخالفين، فصار يحتج بالرجال على الأدلة!
ومرةً يقول لي: مشكلة النقد الصحوي لكتّاب الصحافة هو أنهم يدخلون في النيات وينقرون عما في قلوب الكتّاب، ثم يأتيني لاحقًا ويقول التراث الديني ليس أفكارًا مجردة، بل الفقهاء والمحدثين لهم أغراض سياسية خفية تتعلق برغبة الهيمنة وصراعات النفوذ فيلومنا على الكلام في نيات بعض كتّاب الصحافة الليبرالية الحكومية، بينما يتهم هو نيات أئمة الفقه والحديث ومن أطبق التاريخ على تقواهم وصدقهم!
وهكذا .. وهكذا ..
والحديث عن التناقضات العقلية لصاحبي أرسطو العقلاني تطول وتطول ..
قد يكون بعض كتاب الصحافة فيهم شئ من جينات صاحبي أرسطو هذا، بحيث يقولون الشئ ونقيضه عن الصحوة دون أن يستوعبوا تناقضاتهم العقلية، بل قد يكون"أرسطو"هذا مجرد نموذج معبر عن حال كتّاب الصحافة الذين يضعون في عناوينهم شعارات العقلانية بينما هم يدورون في عجلات التناقض العقلي .. ولكن بالتأكيد أن صاحبي أرسطو هذا نموذج مكثف وحالة لاعقلانية مركزة جدًا ..
والمشكلة أنه لازال إلى الآن يتصور أن مشكلة الآخرين هي غياب التفكير العقلاني!!
لقد سببت لي صحبته بهجة نفسية وهستيريا عقلية معًا!
لكنني صابر ومحتسب على صحبته .. فأخوتنا الروحية لاأظن أنه يعدلها أي أخوة في عالم العلاقات ..
سألني مرةً: لماذا ياخليل أراك متحمس جدًا للدفاع عن المتدينين؟
فقلت له: لأنني ياصديقي لاحظت أن سعي بعض الكتّاب لشحن الجيل الجديد ضد المتدينين إنما أرادو به في الحقيقة"عزل الشباب عن منابع التدين"تمهيدًا لحقنهم بالمضامين العلمانية المغلفة .. وقد تأملت في حال كثيرٍ من الشباب الذين تاهت بهم رياح الضلالة والحيرة فرأيت أن الخطوة الأولى كانت"تشرب الشحن ضد المتدينين والأخيار"بما ترتب عليه انفصال الشاب عن مقابس الإيمان، والبقاء فارغًا يحمل الجاهزية للتعبئة بالمحتوى التغريبي ..
"الصحابة"ياعزيزي خليل كان فيهم التقصير والخطأ، والنبي صلى الله عليه وسلم بلغ المنتهى في العبودية، ومع ذلك يقول الله لنبيه (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) ثم يستكمل ويقول له (ولاتعد عيناك عنهم) .. فالنبي مأمور بمصاحبة المتدينين مهما كان فيهم من الخطأ والتقصير .. بالله عليك ماهو الدرس الكبير الذي تحمله مضامين هذه الآية العظيمة ..
وداعًا ..
خليل الوهيبي
(منقول)