وإن من أعظم الأمور المعينة لك على ذلك: أن تُعرض عن البحث في المسائل النظرية التي لا يترتب عليها كبير فائدة أو عمل (4) ، وأن تترك المراء فيما تبحث؛ لأنه يقسي القلب، ويزرع الشحناء، ويورث الضغائن. قال الحسن البصري ـ حين رأى قومًا يتجادلون ـ: «هؤلاء قوم ملُّوا العبادة، وخفَّ عليهم القول، وقلَّ ورعهم فتكلَّموا» (5) ، وأن تتذكر أن العمر قصير محدود فلا تجعله يذهب عليك سدى فيما لا ينفع.
4 -امتلاك القدرة على البحث:
لا بد للشخص الذي يريد الإقدام على بحث مسألة من أن يكون قادرًا على ذلك، ولعل من أهم ما يجب توفره فيمن يريد بحث مسألة فقهية ما يلي:
أ - معرفة اللغة العربية وفنون القول فيها (6) .
ب - معرفة المسائل الهامة في أصول الفقه، وأهمها:
-الأدلة الشرعية ومراتبها.
-الحكم الشرعي وأقسامه.
-دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط.
-الناسخ والمنسوخ.
-التعارض والترجيح.
-ترتيب الأدلة.
-مقاصد التشريع.
ج - جمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بموضوع البحث.
د - القدرة على معرفة صحة الأحاديث من ضعفها سواء أكان ذلك بتخريجها ودراسة أسانيدها، أم بالقدرة على مراجعة كلام أهل العلم فيها.
هـ - الاطلاع على تفسير الآيات المتعلقة بالبحث من كتب التفاسير المعتمدة، وبخاصة من كتب تفاسير آيات الأحكام.
و - الاطلاع على شروح الأحاديث المتعلقة بالبحث، وبخاصة من تلك الكتب التي عنيت بشرح أحاديث الأحكام.
ز - معرفة أهم الكتب الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والمدونات الفقهية غير المذهبية التي حرصت على مراعاة الدليل.
ج - العناية بمعرفة مذاهب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والتابعين وأئمة الفقه المتقدمين.
ط - الأناة وعدم العجلة، والصبر على مشاق البحث وتجاوز صعابه.
ي - التفرغ الذهني عند القيام بجمع معلومات البحث وتمحيص مسائله ودراستها.
ك - وجود رغبة جادة، ودوافع قوية في موضوع البحث.
ل - لا بد لمن كان مبتدئًا في البحث من أن يكون له شيخ متمرس يرعاه ويشرف عليه.
5 -الاستعانة بالله واللجوء إليه:
يُشْغَل كثير من العباد بصورة العمل وحسن القصد عن الاستعانة بالله ـ تعالى ـ وإظهار الافتقار والحاجة إليه (7) ، وهذا خطأ فاحش؛ إذ أجمع العالمون بالله ـ تعالى ـ على أن كل خير يحصل للعبد فأصله بتوفيق الله له، وما استُجلب التوفيق بمثل المبالغة في الدعاء والمسألة وطلب المعونة، والاستكثار من إظهار الافتقار ومسيس الحاجة، ولا فات إلا بإهمال ذلك (8) ، وقد كانت تلك طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- والهدي الذي سار عليه؛ فها هو -صلى الله عليه وسلم- كان يستفتح صلاة الليل داعيًا: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (9) ، وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ» (1) ، ولم يكتف بدعائه، بل كان يوجه أصحابه إلى ذلك قائلًا: «سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع» (2) .
وقد كان هذا ديدنًا للسلف وهديًا لهم، ولعل من أجلى صور استعانتهم بالله على التعلم والوصول للحق عبر البحث والمطالعة ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه، فقال: «ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني! وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله ـ تعالى ـ وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني!» (3) .
وكثرة العلوم والمراجع بين يدي الباحث لا تنفعه إن لم يُعِنْهُ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على الوصول ألى الحق. قال ابن تيمية: «وقد أَوْعَبَتِ الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعابًا، فمن نوَّر الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالًا» (4) .
فأكثِرْ يا طالب العلم من دعاء الله والتضرع بين يديه، وسؤاله العون والتسديد، وإياك أن يكون نصيبك الخذلان من هذا السبيل.
? ثانيًا: خطوات البحث:
لكي يتم بحث مسألة فقهية بحثًا جادًا لا بد من سلوك الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: جمع مصادر البحث الأساسية:
وفي هذا الجانب يحسن التنبيه على الأمور التالية:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)