ـ [محمد براء] ــــــــ [08 - 06 - 05, 02:52 م] ـ
الكاتب: سامي بن سعود الرشود
مرت الأمة في القرون المتأخرة صور من الجمود الفقهي والتقليد المذهبي، ولم تزل بعض صورة قائمة في هذا الزمان على أشكال وهيئات عديدة
وقد بقيت السنَّة النبوية حبيسة الكتب والحواشي؛ حيث تتصدر المتون ومختصرات المذاهب قوائم دروس طلبة العلم، ومحفوظاتهم، وبقي حفظ السنَّة مما تقصر النفوس عنه ولا تجسر على الإقدام عليه.
فقد كان النص النبوي بعيدًا، ولا يُسأل عنه بعد معرفة قول الإمام أو الشيخ.
وكان حفظ متون الفقهاء نصًا وضبطًا، وحفظ فروق النسخ وإفناء بعض الأعمار بها، في مقابل معرفة النص النبوي بالمعنى - إن عرف - مع التشنيع على حفظه وضبط لفظه.
وكان السائد هو اتباع الشيخ فلان والداعية الدكتور فلان أو المسؤول الفلاني للجماعة في طريقته ومنهجه، بل حتى في أفكاره وتنظيراته دون بحث عن مستندها ومردها من الدليل.
وساد الانشغالُ بعلوم الآلة كالنحو وأصول الفقه - مثلًا - انشغالًا يلهي عن مقصود دراستها، والتبحرُ بها، بل ومعرفة شواذ الأقوال فيها؛ بل ربما الانشغال في بعض الفنون التي غدت عند المسلمين بالية كعلم المنطق والفلسفة.
كل ما سبق هو بعض أنماط ذلك الجمود.
وفي الطرف المقابل تجد أدعياء العقل والعصرنة ممن غلا في نبذ الجمود وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وسعى في نبذ السنة كليًا أو جزئيًا تحت مسمى العقلانية والتنوير والعصرانية!
كان من صور هذا الجمود بُعْدُ طلاب العلم - بل جملة من العلماء في العالم الإسلامي وحَمَلَة الشهادات العليا - عن الاهتمام بالسنَّة، حفظًا وتحقيقًا واستدلالًا، وتقديم خلافات المذاهب وشواذ الأقوال على نصوص الوحيين، وعدم الاكتراث بالنص.
لقد كانت وصية النبي -صلى الله عليه وسلم - آخر عمره بكتاب الله وسنته -صلى الله عليه وسلم - هي منهاجًا لمن أراد النهج، وسبيلًا لمن أراد السلوك، ومنارة لمن أراد الهداية.
«تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض (1) » .
وهذا الجمود لم ولن يبقى طيلة الزمان. ففي العقود الأخيرة بدأت تظهر على الساحة العلمية اهتمامات بالسنة النبوية، دراسة وتحقيقًا وتخريجًا واستدلالًا وحفظًا.
وكانت جهود عدد كبير من علماء أهل السنة ومن أبرزهم الشيخان الراحلان: عبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني ـ رحمهما الله ـ جهودًا غيرت وجهة كثير من طلاب العلم، وأعادت هيكلة هذه المنهجية.
كان الاهتمام بالدليل ومعرفة صحته من ضعفه، وتكاتف الجهود لتنقيح السنة والعودة إلى أُمَّات الكتب الأولى، هذا كله كان مؤشرًا واضحًا لحجم هذه العودة المباركة.
وقد نحت كليات وأقسام السنة بالجامعات الإسلامية هذا النحو في رسائلها الجامعية، في تحقيق كتب السنة وتنقيحها.
بل الرسائل الشرعية في التفسير والفقه كان مرد أحكامها للدليل، وكانت أحاديثها تُخَرَّج من كتب السنة المطبوعة والمخطوطة.
وبقي حفظ السنة في هذه السنين للمشتغلين به سائرًا في فلك المختصرات، مثل: (المنتقى) للمجد ابن تيمية، و (بلوغ المرام) لابن حجر و (عمدة الأحكام) للمقدسي و (الأربعون النووية) للنووي، بل وحتى كتاب التوحيد للشيخ محمد ابن عبد الوهاب.
وفي العقدين الأخيرين ظهر مشروع حفظ السنة النبوية من معدنها الأول (كتب الأصول: البخاري ومسلم والسنن الأربع ومسند أحمد ونحوها) سواء بأسانيدها أم مستبعدًا منها الإسناد والمكرر مما يكون عائقًا للطالب عن الحفظ.
وكان حفظ هذا ضربًا من الخيال لا يفكر أحد فيه!
وكانت الجهود في حفظه في البداية فردية، حيث تعود إلى مشاريع لبعض العلماء هنا وهناك، ونوادر من العلماء الذين أفنوا أعمارهم في هذا. وهي الآن في هذين العقدين توجه علمي وليس اجتهادًا فرديًا.
وحين يحقق المشروع نجاحه على أرض الواقع تتحفز النفوس إليه، وتجسر الهمم عليه.
وفي بلد الله الحرام ـ بعد تجارب عديدة في كثير من البلاد ـ ظهر هذا المشروع عيانًا يراه من دخل المسجد الحرام العاكف فيه والبادي؛ حين برز نموذج حفظ السنة على هيئة مشروع علمي متكامل، واضح المنهج، نير المعالم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)