هناك أيضًا الكتب التي رتبت على الأبواب , وتأتي بعد الصحيحين و السنن , كصحيح ابن خزيمة, وصحيح ابن حبان , ومستدك الحاكم , وسنن البيهقي , ومنتقى ابن الجارود , هذه كتب مهمة لطالب العلم , ينبغي أن يعنى بها لاسيما سنن البيهقي , الذي جمع , فهو بحر محيط يحتاجه الفقيه , ولا يستغني عنه طالب علم , ففيه أدلة المذاهب كلها , وإن كان نَفَس البيهقي شافعي , وتراجمه تؤيد في الغالب مذهب إمامه , لكنه يذكر في الباب كل ما يقف عليه , فهو كتاب عظيم , فإذا ضم سنن البيهقي إلى الكتب الستة , وأفيد من الكتب التي ذكرت: صحيح ابن خزيمة , وابن حبان , ومستدرك الحاكم , ومنتقى ابن الجارود , والدارمي , يكون طالب العلم حينئذن أنهى ما يحتاج إليه من الكتب المبوبة والكتب المبوبة التي رتبت على الأبواب يقدمها أهل العلم على المسانيد , مهما جلّت إمامة صاحب المسند , كمسند الإمام أحمد , ولذا يقول الحافظ العراقي رحمه الله تعالى:
ودونها في رتبة ما جعل على المسانيد فيدعى الجفل
ويعني بدونها السنن. لأن صاحب السنن يترجم بحكم شرعي , فيحرص على أن يستدل لهذا الحكم الشرعي بأقوى ما عنده من الأدلة , بينما صاحب المسند يترجم بترجمة راوي صحابي فيقول: أحاديث أبي بكر الصديق فيجمع ما وقف عليها من أحاديث هذا الصحابي , لأنه لا يستدل بحكم شرعي ولذا تأخرت رتبتها , وإن كان مسند الإمام أحمد على وجه الخصوص مقدم عند جمع من أهل العلم , ومعتنى به من الحنابلة وغيرهم , فالحافظ ابن كثير وهوشافعي المذهب يستظهر المسند , فشرط الإمام أحمد في مسنده لا يقل عن شرط أبي داود كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية , مع أن شرط أبي داود أقوى من شرط بقية السنن ,"مسند الإمام أحمد"من دواوين السنة الجامعة , نعم ترتيبه على المسانيد عاق الإفادة منه عند كثير من طلاب العلم , فلو رتب على الأبواب وترجم لأحاديثه. وقد حصل أن رتب من قِبل جمع ممن تقدم كابن عروة المشرقي , وأيضًا الساعاتي في"الفتح الرباني". وشرح ترتيبه عن الساعاتي بحاشية , في أولها تستطيع أن تسميها شرح , لكن في منتصفها الثاني أو قبله هي حاشية , واسم هذا الشرح"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني". أيضًا الشيخ عبدالله القرعاوي له ترتيب للمسند اسمه"المحصَّل"وهو كتاب جيد يفيد منه طالب العلم. فأقول ترتيب المسند على هذه الطريقة جعلت كثير من طلاب العلم لا يعنون به , مع أنه ينبغي أن يكون محط عناية لإمامة مؤلفه ولجمعه , فهو يجمع من الأحاديث ما يقرب من ثلاثين ألف , وإن قال المترجمون أن فيه أربعين ألف , لكن واقعه لا يصل إلى الثلاثين.
السائل: لكن الصعوبة هي في البحث فيه فكيف يمكن أن يتخطاها طالب العلم , فإذا كان عنده حديث عن أبي هريرة , وأبو هريرة رضي الله عنه مكثر , فكيف يمكن أن يحصل على الحديث من مسند الإمام أحمد؟
الشيخ: عن طريق المعجم المفهرس لألفاظ الحديث , ومن طريق أطراف المسند للحافظ ابن حجر. المسند عليه حواشي للشيخ أحمد شاكر نافعة يفيد منها طالب العلم , وغالبها في الرواية أي في جرح وتعديل الرواة , وإن ظهر تساهله رحمه الله وصحح بعض الأسانيد التي لا تصل إلى درجة الصحة. وعلى طالب العلم أن يعنى بكتب أحاديث الأحكام ومن أهمها: العمدة , والمحرر , والبلوغ , والمنتقي , والإلمام , وغيرها من الكتب التي ألفها أهل العلم لتقريب هذه الأحاديث لطلاب العلم, ولذا جردوها عن الأسانيد , وأتبعوها بعزو مختصر وأحكام مختصرة تناسب الحفظ , وهذه الكتب كلها مشروحة ,"العمدة"لها شروح كثيرة جدا , و"المحرر"عناية الناس به أقل من البلوغ , وإن كان"المحرر"عندي أنفس وأتقن ,"البلوغ"عني به الناس ودرسوه وشرحوه وله شروح كثيرة متداولة.
"المنتقى"أيضًا عني به الناس وشرحوه , مع كثرة أحاديثه."والإلمام"لابن دقيق العيد, شرحه مؤلفه في كتاب من أعظم كتب شروح كتب أحاديث الأحكام اسمه"الإمام شرح الإلمام"ولابن دقيق العيد أيضا كتاب آخر اسمه"الإمام"بين فيه علل الأحاديث , وطوّل فيه جدًا , ينبغي لطالب العلم المتقدم لا المبتدي أن يعني بكتب العلل , كعلل"علي ابن المديني"و"ابن أبي حاتم"و"الدارقطني"و"علل الترمذي"الكبرى والصغرى , ويراجع ما كتب عليها من تنبيهات وشروح وتخاريج , يفيد منها ويسأل عما يشكل عليه , وأيضا يعني بكتب مشكل الحديث , لأنه يوجد إشكالات في الأحاديث تحلها كتب المشكل , ويراد بمشكل الحديث: اختلاف الحديث , ومختلف الحديث يراد به التعارض بين الأحاديث , فهذه الكتب كفيلة بحل هذا التعارض وإزالة التعارض , والتعارض إنما هو في الظاهر فلا يوجد حديثان صحيحان متعارضان تعارضًا حقيقيًا , لأنه كلام من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم , ولكن فيما يظهر ويبدو للقارئ. ثم بعد هذه الكتب: كتب اختلاف الحديث تزيل هذا الإشكال. عليه أيضا أن يُعنى بكتب غريب الحديث , التي هي بمثابة شرح ما يشكل من ألفاظ الحديث النبوي , و"غريب الحديث"غير"الغريب من الحديث", فغريب الحديث شرح المشكل من الألفاظ , ومشكل الحديث واختلاف الحديث في التعارض الظاهر , أما الغريب من الحديث: ما يتفرد به راوي واحد فذاك في المتن وهذا في الإسناد , ومن أهم ما كتب في غريب الحديث:"غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام"وهو إمام في هذا الباب , وأيضا"غريب الحديث لابن قتيبة"و"الفائق"للزمخشري , وهو إمام في العربية وإن كانت البدعة أثرت على بعض كتبه , أيضا ابن الأثير وكتابه"النهاية"كتاب جامع بَيْن كُتب من تقدم , فكتب الغريب في الحقيقة كثيرة جدًا لكن هذه من أهمها لأبي عبيد وابن قتيبة والزمخشري وابن الأثير. ومن أراد أن يقتصر على كتاب واحد لضيق ذات اليد , أو لضيق المكان , وما أشبه ذلك , فعليه"بالنهاية"لابن الأثير, وله ملخص اسمه"الدر النثير"للسيوطي.
يتبع بإذن الله تعالى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)