واعلم يا بني أن أبي كان موسرًا وخَلف ألوفًا من المال، فلما بلغت دفعوا لي عشرين دينارًا ودارين وقالوا لي هذه التركةُ كلها، فأخذتُ الدنانير واشتريت بها كتبًا من كتبِ العلمِ، وبعتُ الدارين وأنفقتُ ثمنهما في طلبِ العلمِ، ولم يبق لي شيء من المالِ.
وما ذلَّ أبوك في طلبِ العلمِ قط، ولا خَرَجَ يَطوفُ في البلدان كغيره من الوُعَاظ، ولا بَعثَ رُقعةً إلى أحدٍ يطلبُ منه شيئًا قط [1] ،
(1) أي أنه عزيز النفس لا يُرسل لأحدٍ رسالةً يطلب فيها متاعًا زائلًا، فقد روى الآجري (أخلاق العلماء: ص 93) والبيهقي في شعب الإيمان (8961) : (عن وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ لِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: «كَانَ الْعُلَمَاءُ قَبْلَنَا اسْتَغْنَوْا بِعِلْمِهِمْ عَنْ دُنْيَا غَيْرِهِمْ, فَكَانُوا لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى دُنْيَاهُمْ , فَكَانَ أَهْلُ الدُّنْيَا يَبْذُلُونَ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ, رَغْبَةً فِي عِلْمِهِمْ, فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَّا الْيَوْمَ يَبْذُلُونَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا عِلْمَهُمْ, رَغْبَةً فِي دُنْيَاهُمْ, فَأَصْبَحَ أَهْلُ الدُّنْيَا قَدْ زَهِدُوا فِي عِلْمِهِمْ, لِمَا رَأَوْا مِنْ سُوءِ مَوْضِعِهِ عِنْدَهُمْ, فَإِيَّاكَ وَأَبْوَابَ السَّلَاطِينِ, فَإِنَّ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ فِتَنًا كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ, لَا تُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابُوا مِنْ دِينِكَ مِثْلَهُ» ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ(الآجري) : فَإِذَا كَانَ يُخَافُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ, أَنْ تَفْتِنَهُمُ الدُّنْيَا, فَمَا ظَنُّكَ فِي زَمَنِنَا هَذَا؟ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ مَا أَعْظَمَ مَا قَدْ حَلَّ بِالْعُلَمَاءِ مِنَ الْفِتَنِ, وَهُمْ عَنْهُ فِي غَفْلَةٍ) . (ش.)