ويعرض الشيخ رشيد رضا هذه الآراء مشيرًا إلى هذه المسألة ـ الحسن والقبح ـ بمسألتي الحكمة والتعليل، مشيرًا إلى سبب افتراق المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة وهو الغلو، فيقول:"غلت القدرية في مسألة الحكمة في الخلق والتكوين، والأمر والتشريع، وغلت الجبرية في مسألة المشيئة والإرادة، فهؤلاء جوزوا أن تخلو المشيئة عن الحكمة، وأولئك قيدوا مشيئة الرب بما يصل إليه أفهامهم من الحكمة، وإن كان كل منهما يؤمن بالصفتين كلتيهما.."1.
ثم يبين الشيخ رشيد أن النزاع في مسألة الحسن والقبح مبني على الخلاف في الحكمة والتعليل، مبينًا مذهب الفريقين، قائلًا:".. ونزاعهم الطويل العريض في مسألة الحسن والقبح والتحسين والتقبيح مبني على ذلك، فالغلاة في إثباتها قالوا: إن في كل فعل يقع التكليف به فعلًا أو تركًا حسنًا أو قبحًا ذاتيًا يغرف بالعقل ويأتي بالشرع كاشفًا لحسن المأمور به، وبالنهي كاشفًا لقبح المنهي عنه، ولا يكون شيء حسنًا بمجرد الأمر، ولا قبيحًا بمجرد النهي، والغلاة في نفيها قالوا: لا حسن ولا قبح ذاتيًا في شيء من الأشياء يكون مناط التكليف، وسببه وسبب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب وإنما ذلك بالشرع وحده ... والقول الأول أقرب إلى المعقول والمنقول، ولكن وقع كثير من القائلين به في الإفراط والغلو ..."2.
ويظهر من هذا النقل أن الشيخ رشيد رضا يقول بالحسن والقبح العقلي. وهذا هو الواقع، فإن الشيخ رشيد يذهب إليه ويقول به صراحة ولكنه يشير إلى الفرق بين قول أهل السنة وقول المعتزلة المتفقين معًا في هذه المسألة خلافًا للأشعرية.
فأولًا: يعرف الشيخ رشيد المعروف والمنكر، قائلًا:"والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه، وترتاح القلوب الطاهرة له، لنفعه وموافقته"
1 تفسير المنار (8/ 54)
2 المصدر نفسه (8/ 55)