السؤالإذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، واستدل بقول الله جل وعلا: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف:3] فبماذا نجيبه؟
الجوابذكر هذا ابن أبي العز في شرح الطحاوية في مناقشة أدلة المعتزلة، فإنهم استدلوا بعمومات، فاستدلوا بآيات الجعل في مثل قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف:3] ، وكان قد استدل بها بشر المريسي في مجادلته مع عبد العزيز الكناني كما ذكر ذلك في رسالته التي تسمى (الحيدة) ، فخاصمه الكناني وقال له: الجعل ليس هو الخلق، بل الجعل هو التصيير، فإنا نخصمكم بقول الله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر:91] فهل المراد أنهم خلقوا القرآن عضين؟ وقول الله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف:15] فهل المراد: خلقوا له من عباده جزءًا؟ وأشباه ذلك، فكذلك الجعل في هذه الآية بمعنى التصيير، (جعلناه) أي: صيرناه عربيًا.
أي: أنزلناه بهذا اللسان العربي.
وقد تقرأ في القرآن من أوله إلى آخره فلا تجد لفظًا صريحًا يفهم منه أن القرآن وصف بأنه مخلوق، بينما سائر المخلوقات يصرح بها بذلك، قال بعض العلماء: إن الله ذكر القرآن في أكثر من خمسين موضعًا، ولم يصرح في موضع واحد بالخلق، وذكر الإنسان في سبعة عشر موضعًا وصرح فيها كلها بالخلق، ومن أقرب ذلك أول سورة الرحمن {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ} [الرحمن:1-3] انظر كيف فرق: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ) .
ويستدل المعتزلة بعموم قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16] ، وأجاب أيضًا عن هذه الآية الكناني في رسالته الحيدة، وذلك أن بشرًا قال له: أتقر بأن الله خالق كل شيء؟ فإن قلت: إنه خالق كل شيء وإن القرآن شيء خوصمت؛ لأنه مخلوق، وإن قلت: إنه ليس بشيء كفرت؛ لأنه مشاهد أنه من الأشياء.
فأجابه بأنه شيء لا كالأشياء، وأن الآية ليست على عمومها، ويستثنى منها صفات الله، فالله تعالى بصفاته ليس شيء منه مخلوق.