الموضوع الذي سوف نتطرق إليه هو موضوع اعتقاد أئمة الحديث واعتقاد أهل السنة جميعًا.
ولا شك أن اعتقاد أهل السنة والجماعة هو اعتقاد الرسل جميعًا، فرسل الله تعالى من أولهم إلى آخرهم على عقيدة واحدة، ولم يختلف واحد منهم عن الآخر في أمر العقيدة، بل كلهم عقيدتهم واحدة، وما ذاك إلا أن هذه العقيدة التي يدعون إليها ويؤصلونها هي مما يتعلق بالأمور الغيبية وما ينتج عنها من الآثار الحسنة، والأصل فيها أنها علوم مستوحاة من كتب الله تعالى ومما بلغته رسله، ومأخوذة من الكتاب والسنة ومما جاءت به الرسل، والرسل كلهم على عقيدة واحدة ليس بينهم اختلاف، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نحن -معاشر الأنبياء- أولاد علات، ديننا واحد) ، وأولاد العلات هم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، بمعنى أن أصل الدين الذي هو العقيدة متفق عليه بين أنبياء الله كلهم متقدمهم ومتأخرهم، وأما الشرائع والفروع فيحصل بينها اختلاف بحسب المناسبات: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] ، ولكن أمر العقيدة مما هم متفقون فيه.
وهكذا جاءت الرسل بأمر هذه العقيدة، وإذا كان كذلك فمن المهم تعلم هذه العقيدة، وأن يتعلمها كل مسلم حتى يكون مصدقًا لما جاءت به الرسل ومؤمنًا به إيمانًا كاملًا، ويكون متبعًا لهم حقيقة الاتباع، مقتفيًا لآثارهم ليحشر في زمرتهم، هذه هي فائدة العقيدة.
ولا شك أن عقيدة أهل السنة وأئمة الحديث مأخوذة من الوحيين: من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن الأدلة التي تؤخذ من الوحيين أدلة قطعية الثبوت، والدلالة لا يتطرق إليها شك ولا توقف، ومن توقف فيها وشك فيها فهو ضال مضل، من شك في آية من كتاب الله وقال: هذه لم تثبت.
أو أنكر ثبوت آية من القرآن اعتبر مكذبًا للرسل؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل كلهم، ومن كذب خصلة يقينية جاء بها الرسول فقد كذب الرسالة كلها.
إذًا هذه العقائد مأخوذة من أدلة قطعية، وذلك ليطمئن المسلم على صحة معتقده، ويعرف أنه حقًا على عقيدة ثابتة راسخة، وأنها هي التي تبعث على الأعمال، وتنبع عنها الأعمال الصالحة، ولأجل ذلك نأخذ أمثلة: فالرسل لما تيقنوا أن ما جاءهم وحي من الله تعالى، وأنه حق وصدق حملهم ذلك اليقين على أن صدعوا بالحق، وقابلوا الأمم بما يكرهون، وكلموا أممهم بكلام قوي، وذلك أنهم واثقون بأن ما يدعون إليه كله حق، فنبينا صلى الله عليه وسلم لما تيقن أن الوحي الذي جاءه من الله تعالى، وأنه شرع الله ودينه، وأنه مرسل به ليبلغه صدع بالحق وأظهره وأعلنه، ولقي من ذلك ما لقي، ولكنه صبر وصابر، فلقي الأذى والسفه والمقاطعة، وآذاه من آذاه بأنواع من الأذى كما هو معروف في سيرته، ولكن ذلك لم يزده إلا تصلبًا إلى أن أظهر الله دينه، واشتهر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك ما جئت به لن أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ولا شك أن الذي حمله على ذلك هو يقينه بأنه على حق.
كذلك أيضًا صحابته رضي الله عنهم لما تلقوا منه العقيدة ورسخت في قلوبهم أرسى من الجبال كان من آثارها أنهم صمدوا بها على هذا الإيمان، وثبتوا ثبوتًا يقينيًا، وصبروا على فراق الأهل والمال، وصبروا على الأذى الذي لاقوه -كما هو مشهور في تراجمهم- من تعذيب وضرب، ووضع الصخور على صدورهم، وإلقائهم في الشمس مكتفين، وفي النهاية طردهم وإخراجهم من بلادهم أموالهم، فما الذي حملهم على تجشم هذه المشقات؟ إنها العقيدة الراسخة في قلوبهم.
ومن آثارها أنهم اندفعوا يدعون إليها بكل ما يستطيعونه، اندفعوا يدعون إلى هذه العقيدة وهذا الدين حتى وصلوا البلاد البعيدة، وصبروا على الجهاد، وقاتلوا المشركين، وقتلوا من قتلوا وقتل منهم من قتل، فما الذي حملهم على أن قطعوا المسافات البعيدة للغزو؟ وما الذي حملهم على أن قابلوا جيوش الروم والفرس والترك والصقالبة والزنوج وغيرهم من المشركين الذين هم على أهبة القتال ومعهم القوة والكثرة والصحابة في قلة ضعف؟ إن معهم قوة الإيمان والعقيدة، فهذا دفعهم إلى أن أفنوا ما يملكونه من الأموال وأنفقوه، وتعرضوا للقتل ولسفك الدماء، ولا شك أن الذي حملهم على ذلك هو العقيدة التي رسخت ورست في جلودهم وقلوبهم، في الجلود والقلوب والدماء والعروق، فكانت مشربة بلحومهم ودمائهم، فهذا أثر هذه العقيدة في أولئك الصحابة.
ويقال مثل ذلك أيضًا فيمن كان على هذه العقيدة في قديم الزمان وحديثه.