الإيمان بالغيب، واليقين باليوم الآخر، هو سبيل الهداية، ونتيجته الفلاح، من كان بهذه الصفة يؤمن بالله، ويوقن باليوم الآخر، ويريد أن يكون على هدىً ثابت، ومن الفالحين، فليقل خيرًا أو ليصمت، يا سبحان الله! المقدمة الكبيرة، وفعل الشرط هو (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) ، ماذا يصير في الدنيا؟ كلمة بسيطة: (فليقل خيرًا أو ليصمت) ، وهذا يعطي المسلم مدى خطورة الكلمة التي يتكلم بها، فإذا كنت بهذه المثابة من الإيمان بالله وباليوم الآخر، فانتبه! وحاذر من الكلمة التي تتكلم بها، وانظر ماذا تقول؛ لأنك ستسأل عنه، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] ، (فليقل خيرًا أو ليصمت) لأن السكوت خير من الكلام بغير فائدة، والحديث عن الكلمة الخيرة والكلمة السيئة باب واسع، والله سبحانه وتعالى ضرب المثل الملموس المحسوس، {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم:24-25] ، أكبر شجرة يمكن أن تثمر في السنة مرتين، إذا كانت التربة خصبة، والنوع جيدًا، لكن هذه كل حين، لا بخصوبة التربة، بل بإذن ربها؛ ولذا قالوا: هي كلمة لا إله إلا الله، اللسان أخطر ما يكون على الإنسان كما جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، عندما قال له صلى الله عليه وسلم: (احفظ عليك لسانك، فقال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!) وبعض السلف كان يخرج لسانه ويمسكه ويقول: اتعبتني، وفي بعض الآثار أن الإنسان حينما يصبح فكل الأعضاء تناشد اللسان أن يقيها النار، وتخاطب اللسان وتقول: اتق الله فينا! ويقول علماء التربية الإسلامية: كل عضو خارجي مفتوح ما عدا اللسان فعليه قفلان: فك الأسنان والشفتان، ومع هذا يتفلت منهما، وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا خطر الكلمة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا) ، يستهين بها ولعل فيها هلاكه! كالذين تناولوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام أهلكهم وأوبقهم، فقد يصاب الإنسان ويقتل بكلمة يقولها بلسانه، وكما قالوا: جرح اللسان ليس له التئام، وجرح السنان قد يلتئم.
ومن تعاليم الإسلام تعويد هذا اللسان على نطق الخير، وزجره والحذر منه، حتى لا ينطق بكلمة سوء ولو كانت في محلها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوا الشيطان، واستعيذوا بالله منه) ، يقول بعض العلماء: هو ملعون فلن تأتي بشيء جديد، بل يخاف عليك أن تتعود هذا اللفظ فتوقعه في غير محله، فتبوء بإثمه عياذًا بالله! وفي بعض الروايات: (فإنه يتعاظم في نفسه) ، فلا تعود لسانك النطق بهذه الكلمة، وإذا كان الإنسان يتحرى قول الخير أو يصمت عن الكلام، فلن يقع في غيبة، ولن يقع في نميمة، ولن يقع في كذب، ولن يقع في تدليس، وكل المخاطر يتجنبها.