بمقتضى إيمانك برسول الله، تؤمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسله الله رسولًا، وأعطاه مقومات البعثة، وهي شواهد الصدق والإرسال، كما اء في أول سورة البقرة، يقول والدنا الشيخ الأمين: هو أول نداء في المصحف: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:21-22] هلموا! اعبدوا ربكم! الرب الموجد المربي المدبر كما روي في الحديث: (أدبر عبادي بما أعلم في قلوبهم) ، فرب العالمين هو خالق الكون والعوالم كلها، ومربيها على نعمه وعلى أرزاقه، وتدبيره لخلقه بما يصلحهم، هو خلقك، والذي خلقك هل يتركك؟ لا, هل خلقك وحدك؟ لا، {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ثم بعد خلقك أقام لك بيتًا كبيرًا جدًا، فجعل الأرض فراشًا مستوية مهدًا، تنبت لك تحفر فيها تشقها مسخرة لك، ليست من الحديد الصلب فتعجز عن زراعتها، وليست من الصخور التي تعجز أن تشقها، والأرض مهادًا، والجبال أوتادًا، فهي ممهدة مثل البيت الممهد بفراشه، لو فرشها لنا حريرًا لكنَّا نعجز؛ لأن الحرير ما ينبت، والتربة التي عليها هي اختيار المولى تفعل فيها ما شئت، {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} مثل القبة، وفي هذا البناء بمهاده وقبة بنائه ينزل الماء من السماء، فتقبله الأرض المهاد الفراش فتنبت، قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس:24-32] .
من الذي أنزل الماء من السماء صبًا؟ من الذي شق الأرض للنبات الرطب الناعم؟ من الذي جعله مثمرًا حبًا وعنبًا وقضبًا وزينونًا ونخلًا؟ من الذي ينبت هذه ويثمرها؟ إنه الله.
إذًا: يا ابن آدم! كن عاقلًا، واشكر النعمة وقابلها بأداء حق صاحبها، {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة:22] والند المماثل المعاند، يقال: فلان شريك لفلان، الشريك قد يكون له العشر، وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون غشيمًا، شريك بتجارة وعمره ما باع بدرهم، شريك في مصنع وعمره ما صنع بآلة، ويطلق عليه شريك، لكن الند المماثل وقد يكون أحسن منك، أنت تاجر وأنا أتجر منك، {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} معاندًا مضادًا لله في خلقه، ثم تصرفون العبادة له، (( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:22] ، يقول والدنا رحمه الله: هذه دلالة صدق على لا إله إلا الله {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35] ، لا والله! ما خلقنا من غير شيء، ولا خلقنا أنفسنا، إذًا: الله خلقكم غصبًا عنكم، ثم يأتي دليل على أن محمدًا رسول الله: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] ، عبدنا الذي اصطفيناه وأرسلناه برسالة، ثم أنتم تكذبون بالرسالة، أنتم ما كذبتم بعبدنا، فأنتم تعرفون محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وتعرفون مولده ونشأته: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة:128] هم ما أنكروا محمد بن عبد الله، ولا أنكروا صدقه ولكن أنكروا الذي جاءهم به {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] يا سبحان الله! {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف:32] أهم يقسمونها؟ لا.
هذه رحمة الله يجعلها حيث شاء، إن كنتم في ريب من هذا الكتاب الذي أنزلنا على عبدنا وهو محل الرسالة، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة:23] هاتوا شهداءكم، احضروا وتجمعوا وتعاونوا: {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23] {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة:24] انظروا هذه العظمة يا إخوان! (( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ) )وأعلم أنكم لن تفعلوا، وهل فعلوا؟ لا والله، ما فعلوا وصدق الله في قوله فيهم: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) .
، {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَة} [البقرة:24] سبحان الله العظيم! إذًا: تصديق الرسالة أن تؤمن بهذا الكتاب، فإذا قلت: محمد رسول الله، صدقت بالرسالة التي جاء بها، ومقتضى تصديقك بالرسالة أن تعمل بمقتضاها، ونضرب مثلًا في العصر الحاضر بما يسمونه السلك الدبلوماسي، أي دولة في العالم مستقلة بذاتها، ولكن كما يقولون: الناس للناس من بدوٍ وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم لا يوجد دولة في العالم تعيش لوحدها أبدًا، ولا يوجد فرد يعيش في العالم وحده، كل دولة محتاجة للأخرى، تترابط معها في تجارة في سياسية في علم، كيف تفعل؟ هل رئيس كل دولة يذهب إلى كل رئيس؟ لا أبدًا، كل دولة تجعل لها سفيرًا، فالدولة عندما ترسل سفيرًا لها، السفير هذا ليس مرسلًا من أفراد الشعب، بل من رئيس الدولة، فحينما يذهب السفير نسمع أنه يقدم أوراقًا لرئيس الدولة التي جاء إليها، فيأخذها وزير الخارجية، ويعرض الأوراق على رئيس الدولة، وتعمل له مراسيم رسمية، ويُعلن بأن سفير الدولة الفلانية عندنا هو فلان.
فإذا جاءهم بقصاصة ورق جاءهم بتلغراف جاءهم بهاتف هل هو من عند شخصيته أم من عند الدولة التي أرسلته؟ من عند الدولة التي أرسلته؛ لأننا حينما قبلنا أوراق اعتماده فهو يعبر عمن أرسله فيما بعد، فإن كانت العلاقة دبلوماسية وسياسية ماشية طيبة فأهلًا وسهلًا، وكل شيء على العين والرأس، وإذا اختلت السياسية والعلاقة نبدأ نسوف له، والأجوبة تكون سياسية، فيقال: عفوًا ما عندنا إمكانيات وطالما كانت العلاقة حسنة كانت الاستجابة سريعة، وعندما تسوء العلاقة يحصل التواء في المعاملة، فإذا وصلت إلى القمة في الإساءة قالوا: خذوا سفيركم من عندنا.
وهكذا عياذًا بالله حينما تسوء علاقة العبد بربه! يرفض معنى الرسالة! ويرفض معنى رسول!