والشيطان أوصل الناس إلى عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من هذا الباب، وهو الغلو، فقد كان هؤلاء رجالًا صالحين قبل زمن نوح عليه السلام، ولما ذهب هؤلاء الناس جاء الشيطان لأولادهم، فقال: ما هذه العبادة التي لا تساوي شيئًا، آباؤكم وأجدادكم كانوا يقومون الليل ويصومون النهار، ويفعلون ويفعلون، اجتهدوا بالعبادة مثلهم سبحان الله، فهذا الشيطان يحث الناس على الاجتهاد في العبادة؟! وخالف النفس والشيطان فاعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم إذا كان بينك إنسان عداوة، وجاءك يومًا مبتسمًا ويضحك، ونصحك فقال: اذهب من هذا الطريق فهو قريب؛ فاعرف أن في هذا الطريق مهلكة لك، لأن النصح لا يأتي من عدو، فالشيطان يأتي لهؤلاء ويحثهم على الزيادة في العبادة مع أنه يحترق من كثرة العبادة؛ لكن يرسم للخطوات نحو الكفر والوثنية بصبر وجلد.
فقاموا واجتهدوا ثم قال لهم: أنتم ما فعلتم شيئًا.
قالوا: ماذا نفعل أكثر من هذا.
قال: صوروا تماثيل للآباء في معابدهم، حتى كلما رأيتموهم نشطتم في العبادة! ، فأخذوا بالنصحية.
ونام الشيطان على أعصابه، حتى ذهب هذا الجيل ولا يدري عن الأجداد شيئًا.
ثم جاء للأبناء فقال: أين أنتم ضائعون? قالوا: ماذا؟ قال: لماذا لم تأتوا عند هذه الصور، ولم تلتفتوا إليها، وتلتفوا حولها ولو مرة واحدة في السنة.
قالوا: بماذا؟ قال: واحدة من العبادات اجعلوها لها.
قالوا: نعبد الله وحده.
قال: لا مانع، لكن واحدة فقط لهؤلاء الآباء والأجداد.
قالوا: واحدة لا بأس! وهكذا قليلًا قليلًا، وبدلوا الصور بالأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل.
ثم قال لهم: لا حاجة لأن تأتوا هنا، كل واحد يأخذ تمثاله أو معبوده، فيضعه في بيته يعبده.
وانتقلت العبادة من الله إلى الأصنام، ومن المعابد إلى البيوت، وعندئذٍ استراح وبلع ريقه عن كل المدة التي حرقت أعصابه فيها.
والسبب في هذا الغلو والمبالغات، ولذا فالرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة من الغلو، فنهى عن صيام الدهر، لأنه يأتي وقت ويعجز عنه، وربما كره هذه العبادة.
إذًا: الصوم في النوافل له أقسام، فمنه ما يكون في أزمنة معينة، ومنه ما يكون مطلقًا، وكل إنسان يأخذ على قدر طاقته وهمته واجتهاده.