وقد بين سبحانه أن أعلى منزلة للتقوى معية الله بتأييده ونصرته: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128] .
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر:54] أين؟ {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر:55] .
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً} [النبأ:31-36] انظر! (عَطَاءً) ! لا تقل: بتقواي، لا.
بل عطاء من الله، (حسابًا) بمعنى: كافيًا، ليس بمعنى: محاسبةً، أخذًا من قولك حينما يعطيك إنسان: حسبي حسبي، يعني: يكفيني، {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً} [النبأ:36] كافيًا وافيًا حتى يقول المعطَى: حسبي حسبي.
وأظن أن هذا القدر كاف في التنبيه على هذه الجزئية من هذا الحديث وهي الوصية أو الفقرة الأولى: (اتقِ الله) .
وبعد ذلك قال: (حيثما كنت) : (حيث) يقولون: إنها للمكان، وتكون للزمان، مثل: اجلس حيث جلس فلان، صلِّ حيث ينتهي بك الصف.
كأنه صلى الله عليه وسلم يقول ذلك لـ معاذ مشعرًا إياه وهو خارجٌ من المدينة ذاهبًا إلى اليمن؛ أن تقوى الله ليست في المدينة فقط، لنزول الوحي فيها، ولوجود الرسول صلى الله عليه وسلم، وللقرب من المسجد النبوي، لا.
بل حيثما كنت، وهذا التعميم من خصائص التشريع في الإسلام، والتعميم هو: العموم والشمول، فإن كنتَ في أقصى العالم، وإذا ذهبتَ إلى القطب المتجمد الشمالي، وإذا طرت في مركبة فضاء، وإذا نزلت في غواصة تحت الماء، وإذا كنت في منجم تحت الأرض، وإذا كنت في أي مكان فاتقِِ الله حيثما كنت، لماذا؟ لأن الله مطلع عليك أينما توجهت، وأنت إنما تتعامل مع الله، ولذا خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمصار ودعَوا إلى الله، ولما كتب بعض السلف إلى إخوانه في الشام: هلم إلى الأرض المقدسة، قال: إن الأرض لا تقدس أهلها؛ ولكن يقدسهم العمل.
(اتقِ الله حيثما كنت) : وأيضًا (كيفما كنت) أي: على أية حالة تكون فيها مع الناس يجب أن يكون معيارك تقوى الله.
وأعتقد أن المجال هذا واسع جدًا، ولا يستطيع إنسان مثلي أن يوفي هذا الموضوع حقه فيما يتعلق بالتقوى؛ في تحصيلها وبيانها وآثارها.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3] .
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق:5] .
فجاء قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ) ثلاث مرات في سورة الطلاق وحدها.
إذًا: أمر التقوى عظيم.