وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) يقول العلماء على سبيل الإجمال: هذا الحديث يدل على أحد أمرين: الأمر الأول: إذا أردت أن تعمل شيئًا فانظر هل هذا العمل يستحى منه عند الناس أم لا؟ فإن كان لا يستحى منه عند الناس فاصنعه، أي: أنه حسن وليس قبيحًا، وهذا الوجه ضعيف.
الأمر الثاني: (إذا لم تستح) أي: إذا فقدت الحياء، وإذا لم يكن عندك هذه الخصلة وهذه الغريزة وهذا الخلق الفاضل، فحينئذ لا عليك، كأنه يقول: إذا لم يستح فحينئذ كل شيء لا يستنكر منه.
وجاء في حديث -وإن كان ضعيفًا-: (إن الله إذا أراد هلاك عبد نزع منه الحياء فلا تلقاه إلا مقيتًا ممقتًا أو بغيضًا مبغضًا، فإذا كان مقيتًا ممقتًا نزع منه الأمانة، وإذا نزع منه الأمانة فلا تلقاه إلا خائنًا مخونًا، وإذا أصبح خائنًا مخونًا نزع منه الرحمة، فإذا نزع منه الرحمة أصبح غليظًا مغلظًا، وإذا أصبح غليظًا مغلظًا نزع من رقبته ربقة الإيمان فلا تراه إلا شيطانًا ملعنا) وإن كان الحديث ضعيفًا إلا أنهم يذكرونه في بيان نتائج عدم الحياء.
إذًا الحياء هو رداء الكمال في الإنسان، ولذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (الحياء شعبة من الإيمان) ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا ينصح أخاه في الحياء يقول: أنت كثير الحياء وتترك العمل، كثير الحياء ويترتب عليه كذا، فقال له صلى الله عليه وسلم: (دعه! إن الحياء لا يأتي إلا بخير) وفي رواية: (الحياء خير كله) .
نعلم الحديث العام: (الحياء بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) والحياء شعبة من بضع وسبعين شعبة، إذا نظرنا إلى آثاره في العبد فما هي؟ ويقال في علاقة الحياء بالإيمان: إن حقيقة الحياء في العبد أول ما يجب عليه أن يكون أشد حياءً من الله، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إننا لنستحيي، قال: ليس ذاك، لكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن يذكر الموت والبلى) فإذا حفظ الرأس وما حوى، فماذا يحفظ في الرأس؟ يحفظ العين من أن تنظر إلى محرم، ويحفظ الأذن من أن تسمع إلى محرم، ويحفظ اللسان من أن يغتاب أو يكذب أو يتكلم بمحرم، أو يتناول طعامًا محرمًا أو شرابًا محرمًا، فإذا حفظ الرأس بما فيه من أعضاء، وحفظ البطن وما حوى، وهذا كناية عما يتبع البطن مما فيه من اتصال غير مشروع، وهكذا، ويذكر الموت والبلى، وإذا تذكر الموت والبلى، وحفظ جوارحه من المعاصي فإنه حقًا يعيش على حذر مما بين يديه، وإذا تذكر الموت وما وراء الموت عمل لليوم الآخر.
ومن هنا كان الحياء شعبة من الإيمان، ولذا جاء في الحديث المتقدم: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وجاء في الحديث عند الترمذي أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم الوصية فقال: (استحي من الله أشد مما تستحي من ذي المروءة من قومك) وقالوا: معنى ذلك: حقيقة الحياء من الله أن لا يراك حيث نهاك، وأن لا يفتقدك حيث أمرك، أمرك بالصوم فلا يفتقدك في الصيام، وتكون متفلتًا مع المفطرين، أمرك بالصلاة فلا يفتقدك عندما يقول المؤذن: قد قامت الصلاة، نهاك عن السرقة، نهاك عن أكل مال الناس بالباطل فلا يراك تهتك الستر وتسرق المال، فلا يراك تغش وتدلس، وغريمك جاهل ومسكين لا يدري عن طرقك، أمرك بوفاء الكيل ونهاك عن تطفيفه، فإذا جاءك رجل لا يعرف شيئًا إذا بك تستغل غشامته وجهالته، وتطفف الكيل وتبخس الوزن، ونسيت أن عليك رقابة من الله.