هذا الحديث النبوي الشريف يعتبر عند العلماء من أشرف وأخص ما جاء في فضل أولياء الله سبحانه.
وهذا الحديث بهذه الألفاظ قال النووي هنا: رواه البخاري، وظن بعض الناس أن البخاري انفرد به، ولا يوجد الحديث في كتب السنن سوى البخاري، ولكن يوجد هذا الحديث أيضًا في حلية الأولياء، وذكره السيوطي في رسالة مختصرة، وكتب فيه الشوكاني كتابًا مستقلًا سماه: قطر الولي بشرح حديث الولي، وقد طبع كتابه هذا، وذكر أن أحمد رحمه الله ذكره في كتاب الزهد، وكذلك البيهقي؛ ولكن لضيق الوقت لم أتمكن من الاطلاع عليه في كتابي أحمد والبيهقي، وهو موجود بنصه في الجزء الثامن من حلية الأولياء، وأنصح طالب العلم ألا يكتفي بكتاب البغية الذي فهرس أحاديث الحلية؛ لأن هذا الحديث بالذات سقط من الفهرس، وهو يوجد في الجزء الثامن في ترجمة الحسن بن يحيى بن الحسنين.
وقد تكلم عليه ابن حجر فيما لا يقل عن خمس أو ست صفحات في الجزء الحادي عشر من فتح الباري في كتاب التواضع.
واستشكل بعض العلماء فقال: ما علاقة هذا الحديث باب التواضع؟ وإذا رجع طالب العلم إلى مرجعه فسيجد الجواب على ذلك مفصلًا، ويقول الشوكاني في كتابه على هذا الحديث: لم يكن عندي أثناء شرح هذا الحديث سوى فتح الباري لـ ابن حجر.
إذًا: هذا الحديث له أهميته، وعني به شراح الأربعين النووية، وفعلًا عني به أيضًا ابن حجر، وشرحه على ما جاء بألفاظه التي سمعنا.
ونحب أن ننبه أنه سبق وأن ذكرنا هذا الحديث عرضًا في بعض الليالي، وذكرنا في آخره زيادة كنا نحفظها أثناء الطلب، وسمعناها من مشايخنا، وفسروها لنا بما يتفق مع معنى الحديث، والزيادة هي: (وجعلته عبدًا ربانيًا يقول للشيء: كن، فيكون) ، وتساءلنا: ما معنى (عبدًا ربانيًا يقول) إلى آخره؟ فقالوا: يجعله مجاب الدعوة، ولكن بما أن الأمر نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بحثنا عن تلك الزيادة في المراجع فلم نجدها، وبلغني أن بعض الإخوة يجتمعون عند فضيلة الشيخ حماد الأنصاري -وكلنا يعرف سعة مكتبته وعلمه- ويبحثون عن تلك الزيادة، وأعتقد أن تلك المراجع كلها لم تذكرها؛ ولذا أحببت التنبيه على ذلك؛ ليعرف طالب العلم أنها لا توجد في كتب السنن، والأولى التحفظ من ذكرها، وما جاء في الحديث في صحيح البخاري فيه الكفاية؛ لأن الله سبحانه قال: (لئن سألني لأعطينه، ولئن استنصرني -وبعض الروايات- استنصر بي لأنصرنه) وسيأتي تفصيل ذلك.
وفي هذا المسجد النبوي الشريف دروس وعبر لطالب العلم، وأذكر هذا لا اعتذارًا في الموقف، ولكن بيانًا للمنهج، وقد اجتهد عمر رضي الله تعالى عنه، وأراد أن يحدد المهور اجتهادًا منه، فتقوم امرأة وتقول: ليس لك ذاك يا عمر! والله تعالى يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} [النساء:20] فكيف تحدد شيئًا لم يحدده الله في كتابه؟! فقال عمر وبملء فيه، وعلى رءوس الأشهاد، وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخطأ عمر، وأصابت امرأة.
ولقد رفع ذلك عمر عند أصحابه.
وفي هذا المكان بالذات، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في دروس رمضان في التفسير، وعند الآية الكريمة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة:36] إلى آخر الآية، قال: أيها الإخوة! كنا قلنا سابقًا أن تلك الأشهر قد نسخت، ونسختها آية السيف -كما يقول بعض المفسرين-، ولكن بعد التأمل والبحث ظهر لنا أنها لم تنسخ، وأنها باقية على حرمتها، فأحببنا أن ننبه الإخوان على ما سبق أن قلناه.
وهكذا أيها الإخوة! يبلغ الحاضر منكم الغائب أن تلك العبارة بحثتها شخصيًا في تلك المراجع، فلم أجد لها ذكرًا في تلك المراجع؛ ولذا نقف على ما جاء في صحيح البخاري، وما جاء في الحلية بزيادة بعض الألفاظ فنعرض لها عند شرح الحديث إن شاء الله، وأحمد الله مرة أخرى، وأشكر الإخوة الذين نبهوا على ذلك، والحمد لله.